الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين      الواقع الاجتماعي بين الحتمية الاجتماعية وإرادة الفرد                                   
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 8
زوار الموقع 225819

حديث الجمعة
الانفعالات النفسية وحل الأزمات
الشيخ صادق الرواغة | 2009-10-27| قراءات [460]

إن أحد أهم الأشياء التي تدخل في مكونات الإنسان هو الجانب النفسي والعاطفي الذي معه يشعر الإنسان ويحس، يتفاعل سلبا وإيجابا، حيث يوجد في داخله خليطٌ من المشاعر والأحاسيس والصفات، كالحلم والغضب، والصبر والجزع، والكرم والبخل، والحب والكره، وهكذا سائر الصفات الأخلاقية الأخرى، ولا يمكن أن يستثنى هذا البعد من حياة الإنسان باعتبار آدميته، فنفسه تنفعل بمواقف الأفراح والأحزان، فتنبسط في الأول وتنقبض في الثاني، تستأنس نفسه بتحقيق ما تميل إليه وتنقبض حينما لا تصل لحد الرضا والإشباع.
وبما أن الإنسان ينفعل مع أي مثير خارجي أو داخلي تتحكم فيه انفعالاته سلبا وإيجابا، وتلك الانفعالات تكون خاضعة لضبط النفس أو عدم ضبطها، فإن كان قادرا على ضبط النفس فإن المثير السلبي لن يؤثر عليه، أما إذا لم يكن ضابطا لنفسه وردود أفعاله، فعند ذلك سيدخل مرحلة فقدان الأعصاب، فيتصرف بشكل همجي وعدواني لا شعوري تصدر منه ردود الأفعال تجاه المثير.
إن الإنسان يتعرض لمواقف وأزمات من جانب، ومن جانب آخر هناك بعض الأمور يريد أن تتحقق له سواء على مستوى معيشته أم حياته الاجتماعية أو الأسرية أو أي أمر آخر مرتبط بشؤونه، ولكنه قد يصطدم بعدم تحققها في الوقت الذي يريدها أن تتحقق، مما يدخله في حالة نفسية مزرية، فتسودُّ الحياة في وجهه وتنقلب رأسا على عقب، يراها مظلمة وكأن لا مخرج مما هو فيه، فتبدو منه بعض التصرفات والسلوكيات التي لا تتصف بالاتزان وفقدان الأعصاب كالضرب على الجدران وغلق الأبواب بقوة، أو يتمنى في تلك اللحظة لو أن الأرض تنشق فتبتلعه أو يحاول الانتحار، كل ذلك لأن الذي يتمناه لم يتحقق، أو لأنه دخل في نزاع وصراع وتلاسن مع أحد، فيرى أن السبل انسدت وليس هناك خلاص مما هو فيه، وأن لا مخرج من كل ذلك، فَيَصل لحد اليأس والقنوط.
إن الدخول في حالة من التشنج والغيظ والحَنَق التي توصله لتلك التصرفات من عدم ضبط النفس ثم الدخول في مرحلة فقدان الأعصاب، هي حالة لو تأملها الإنسان لأدرك أنها لا تحل له أزمة ولا تلبي له رغبة، صحيح أن لكل إنسان طموحات ورغبات وأماني يريد تحقيقها، وصحيح أيضا أنه يواجه مشاكل وقضايا تؤرق مضجعه، وهذا شأن الحياة، ولكن الحلول ليست في فقد الأعصاب والدخول في حالة من الهستيريا التي تفقده السيطرة على نفسه، فتصدر عنه ردود أفعال عنيفة تضره وتضر غيره أيضا.
وهنا على الإنسان أن يعي حقيقة مهمة وهي أن الذي كتب له لن يذهب لغيره، وما كتب لغيره لن يأتي إليه، كما يقول الرسول الأكرم (ص) في وصيته لعلي (ع) حيث قال:"وأن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك" [1].
فالإنسان لا يأخذ من الدنيا إلا ما كتب له وإن كان بحجم الذرة، وما لم يكتب له فلن يراه مهما بلغ وإن عمل ليلا نهارا سرا وعلانية مستعملا جميع ما لديه من وسائل.
ولهؤلاء تأتي الآية المباركة من سورة الحج، لتخاطبهم وتوضح لهم أن ردود الأفعال تلك لا يمكن أن تحل لكم أزمة ولا تحقق لكم ما تطمحون لتحقيقه، فيقول تعالى:{مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [2].
وحتى ندرك معنى الآية المباركة لابد أن نتوقف عند سبب نزولها ليتضح ذلك، فقد ذكر المفسرون أن سبب نزولها:"أنها نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمدا، فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا -أي لا يجلبون لنا الطعام-. فحذرتهم هذه الآية ووبختهم بشدة. وقال آخرون: إنها نزلت في قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين، يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر، فنزلت هذه الآية تلومهم على عدم صبرهم" [3].
هذا من حيث سبب النزول، وأما تفسيرها ومعناها أنه:"من يظن أن الله لا ينصر نبيه في الدنيا والآخرة، وهو غارق في غضبه، فليعمل ما يشاء، وليشد هذا الشخص حبلا من سقف منزله ويعلق نفسه حتى ينقطع نفسه ويبلغ حافة الموت، فهل ينتهي غضبه؟! وقال بعض المفسرين أن عود الضمير المذكور إلى هؤلاء الأشخاص ليس إلى النبي (ص) أي أن الذين يظنون عدم نصر الله لهم، وأنه يقطع رزقهم، عليهم أن يعملوا ما شاءوا، وليذهبوا إلى السماء ويعلقوا أنفسهم بحبل، ثم ليقطعوا هذا الحبل حتى يقعوا على الأرض، فهل ينهي غضبهم؟ وجميع هذه التفاسير تركز على ملاحظة نفسية تخص الأشخاص الحادي المزاج. والضعيفي الإيمان الذين يصابون بالهلع ويرتكبون أعمالا جنونية كلما بلغت أمورهم طريقا مسدودا في الظاهر، فيضربون الأبواب والحيطان تارة، وأخرى يودون أن تبتلعهم الأرض. وقد يصممون على الانتحار لإخماد نيران غضبهم. في وقت لا تحل فيه هذه الأعمال الجنونية مشاكلهم، ولو تريثوا قليلا، والتزموا بالصبر وسعة الصدر، ونهضوا بعد التوكل على الله والاعتماد على النفس في مواجهة مشاكلهم، لأصبح حلها مؤكدا" [4].
لماذا يلجئ أمثال هؤلاء لردود الأفعال من الغضب والغيظ وفقدان الأعصاب؟
إن ردود الأفعال تلك ناتجة عن خلفية نفسية وأخلاقية وسلوكية ودينية، أما ما يرتبط بالجانب النفسي والسلوكي فإن كان مسيطرا على نفسه مالكا وضابطا لها، وكان ذا صدر واسع ونفسية تستوعب تلك المشاكل فإنه سيكون بعيدا عن ردود الأفعال تلك، أما إذا كان ذا صدر ضيق فالنتيجة تكون ردود أفعال قريبة للطيش والفوضى، وحالات من الفزع والجزع والضغوطات النفسية الشديدة، أما ما يرتبط بالجانب الديني فإن كان ذا إيمان وتقوى مسلما أمره لله عز وجل ومتوكلا عليه، مدركا أن كل شيء بيد الله هو وحده من يقدم أو يؤخر، فعند ذلك أن كل ما يصيبه لن يؤثر عليه سلبا.
وقد تتضاعف تلك الضغوطات عند البعض خصوصا إذا لم يحاول التخلص من سيطرتها عليه، بأن يؤكد عليها بجعل نفسه حبيسة لها في دائرتها، وكل مشكلة تصادفه يجعلها ضمن الرصيد السابق، فيكون صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعّد في السماء.
وهنا حتى يتمكن الإنسان من التخلص من حالات الغضب والغيظ والتصرفات الهستيرية التي تنتابه، لابد من التأكد على ضرورة إيجاد عدة أمور:
الأول: التسليم والتوكل على الله
إن كل شيء في هذا الوجود خاضع لله عز وجل وتحت حكومته وسلطانه، ولا يمكن أن يقع شيء خارج عن هذه السلطة والتقدير الإلهي، فإذا أراد الله تعالى شيئا إنما يقول له كن فيكون، سواء أكان في الخلق والتكوين أم فيما يرتبط بالبشر من ابتلاءات ونحوها، وكل ذلك لا يكون إلا بحكمة وتقدير إلهي، والشيء الذي يقدّر الله وقوعه، لا يمكن أن يرتفع، وما لم يقدّر وقوعه لا يمكن أن يقع، وفي كلا الحالتين لا حيلة للإنسان فيهما، فلا يستطيع صرفه ودفعه عنه، كما لا يستطيع جلبه إليه، وأمام هذه الحقيقة -عدم قدرة الإنسان على دفع المفسدة أو جلب المصلحة- يكون الإنسان عاجزا مقهورا، قليل الحيلة، لا بمعنى أنه مسلوب الإرادة.
فعلى الإنسان أن يسلم أمره لله سبحانه وتعالى وأن يتوكل عليه ويتوجه له بالدعاء ليخلصه مما أصابه، وأن يكون واثقا بالخلاص، متفائلا، كي يستطيع الوقوف على قدميه وممارسة حياته، لا أن يكون متشائما آيساً قانطا، فإن القنوط واليأس من رحمة الله حرام، كما أنهما يساهمان في ركون الإنسان للأرض وتثاقله وتجميد نشاطه وحركته.
الثاني: الثقة والاعتماد على النفس
إن الله تعالى قد منح الإنسان فيما منحه من نعم جمة نعمة العقل والإرادة، فبهما يستطيع أن ينجز كثيرا من أعماله وطموحاته، فبالعقل يفكر ويكتشف ويخطط، وبالإرادة يترجم ما فكر فيه واكتشفه وخطط له على أرض الواقع، فبعزيمة الإنسان وصبره وإصراره يستطيع القيام بأمور كثيرة ربما كان يظن في يوم من الأيام أنها من المستحيلات التي لا يمكن القيام بها أو إنجازها.
ثم أن هناك مسألة مهمة تقع عائقا في طريق إنجاز وتحقيق أو حل بعض المشاكل، وهي أن الكثير من الناس -في الغالب- يعتمدون على غيرهم للسعي في إيجاد الحلول المناسبة أو حل مشاكلهم وقضاياهم، ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث والسعي للخلاص من تلك المشاكل.
إن عدم الاستفادة من القدرة العقلية والإرادة، وكذا اللجوء للغير لتخليصه من مشاكله وهمومه ناتج من ثقافة (الكَل) وهي إلقاء أعباءه على الآخرين ليقوموا بدوره نيابة عنه، ومن فقدان الثقة بالنفس، فلو كان واثقا بإمكانياته وقدراته وبشخصيته لحاول الاستفادة منها واستطاع أن يحل مشاكله ولو بشكل جزئي.
فمن أهم عوامل انعدام الثقة بالنفس:
-تهويل المشكلة وإعطائها أكبر من حجمها.
-إحساس الإنسان بأنه صغير أمام مشاكله.
-الخوف والقلق من عدم إمكانية القيام بالدور المطلوب، والشعور بعدم قدرته على إيجاد الحلول المناسبة.
تلك بعض العوامل المهمة التي تساهم في فقدان الثقة بالنفس.
ولتعزيز الثقة وإرجاعها للنفس، يكون من خلال أمور:
أولا: أن يدرك إمكانياته وقدراته التي منحها الله عز وجل إليه، من العقل والإرادة اللذين بهما يتمكن من أداء كثير من المهام.
ثانيا: تصغير المشكلة وإعطائها حجمها الطبيعي، لا أن يهولها ويضخمها، ولا أن يستصغرها لتصل لحد التهميش والتسطيح.
ثالثا: إن يشعر نفسه بأنه أكبر من حجم المشكلة، بدون تساهلا وتهاونا بها.
رابعا: طمأنة النفس وعدم إشعارها بالخوف والقلق، فإن الدنيا تجارب والإنسان العاقل من يستفيد من تجاربه، كما أن مع المحاولة الفاشلة لا يكون ذلك نهاية المطاف وانسداد الطرق.
الثالث: البحث عن الأسباب
لا يمكن إيجاد الحلول من دون البحث عن الأسباب التي تقف وراء المشكلة، فلا بد من التشخيص أولاً حتى يمكن وضع العلاج المناسب، والمشاكل شأنها شأن غيرها، إذا لم يتم البحث عن أسبابها فلا يمكن علاجها والتخلص منها أو تقليلها والسيطرة عليها.
ولكن كل ذلك يحتاج لشجاعة في مواجهة المشكلة مهما كانت أسبابها، حتى وإن كان سببها الشخص نفسه، فعليه أن يتحلى بالشجاعة والاعتراف بينه وبين نفسه أنه سببا للمشكلة، هذا إذا أراد حل المشكلة، أما إذا كان ينزه نفسه ويزكيها ويبعدها عن أي سبب من أسباب المشاكل ويلصق التهمة والعيب وأساس المشكلة بالغير، فسوف تبقى المشكلة ولن تحل طالما كابر عن الاعتراف بالسبب الرئيس لمشكلته.
وهنا تجدر الإشارة إلى بعض الحيل التي يستخدمها هؤلاء لتبرير فشلهم وعدم قدرتهم على حل مشاكلهم وعدم مواجهتها بشجاعة، فإن علماء النفس ذكروا ثلاث حيل يلجئ إليها هؤلاء لتبرير فشلهم وعدم القدرة على  مواجهة مشاكلهم وهي:
الأولى: الإسقاط: وهو إلصاق عيوبهم بالآخرين، وإلقاء اللائمة عليهم، فالجبان لا يعي مصدر جبنه، فيسقطه على الآخرين بأن يتهمهم بالجبن.
وكنوع من أنواع الإسقاطات التي نعيشها في أوسطنا الاجتماعية والأسرية، أن بعض الأحيان يطلب شخص من شخص شيئا أو يخبره بأمر ما، كما لو طلب الأب من أحد أبنائه أمرا، فلا يلبي له حاجته وطلبه حين طلبها منه ويبطئ عليه، وبعد فترة يلوم الأب ابنه قائلا له: لِمَ لم تعمل ما طلبته منك؟ فالابن يبرر ذلك بقوله: إنك لم تطلب مني ذلك، أو أنت لم تقل لي شيئا، أو يسأل متعجباً: أنت قلت ذلك؟! هذا ما يكون التعامل به في الغالب، وهو اتهام الآخرين وإلقاء اللائمة عليهم، والهروب من اتهام ولوم النفس.
فكل من يعيش المشاكل، ولعدم قدرته على مواجهتها فإنه يلجئ لعملية الإسقاط، ويشير دائما بأصبع الاتهام على غيره منزها ساحته عن كل خطأ وعيب، لشعوره الداخلي بعدم الثقة بالنفس أولا، ومن الخوف الذي ينتابه من الإحساس بالفشل ثانيا.
يصف أمير المؤمنين (ع) المؤمن المتقي الذي يعي ويدرك نفسه بقوله:"فهم لأنفسهم متهمون" [5]. أي يتهمون أنفسهم بالتقصير، ولكن ليس اتهاما يفقدهم الثقة بأنفسهم، وإنما يلومون أنفسهم على تصرفاتهم وتقصيرهم، ليدفعهم للعطاء والاهتمام أكثر.
الثاني: التسويغ: وهو محاولة إيجاد عذر وتبرير لسلوكهم، بأن يلقي باللائمة على الظروف المحيطة أو الضغوطات أو الانشغال الدائم، أو التعامل بسطحية وهامشية مع بعض القضايا والمشاكل، أو أن يعطي بعضها أكبر من حجمها الطبيعي.
الثالث: النكوص: وهو الارتداد إلى سلوك الطفولة في حالة مواجهة الاحباطات المختلفة، فيجتلب العطف، أو يميل للبكاء [6] .  فبمجرد دخوله في مشكلة من نوع ما فإنه يلجئ للانفعالات الطفولية ليحرك مشاعر الآخرين لاستدرار عطفهم وحنوهم عليه.
إن هذه الوسائل التي يلجئون إليها لتبرير فشلهم، لا تساعد على التخلص من المشاكل وإيجاد الحلول، وإنما تكرس في نفس الإنسان الفشل وعدم القدرة على اجتياز مشاكله، كما أنها تساهم في سلب ثقته بنفسه بشكل أكبر، فيعيش دائماً حالة اضطراب وقلق شديدين خوفا من مواجهة نفسه والاعتراف بتقصيره.
إن ردود الأفعال المتسمة بالغضب الشديد والتصرفات غير المتزنة، ينتج عنها حالات نفسية تنعكس على القدرة على التعاطي مع مختلف القضايا والمشاكل، كما أنها تنعكس على الوضع النفسي والجسمي للشخص بشكل عام.
فمنها القلق الناتج عن الأفكار المكبوتة والنزعات والغرائز، التي لا يستطيع إظهارها وإبدائها، لعدم ثقته بنفسه.
والقلق ينقسم إلى قسمين:
قلق طبيعي: كقلق الإنسان إذا كان لديه التزام أو عمل يترقب إنجازه والنجاح فيه، وهذا قلق نابع من إحساسه بالمسؤولية تجاه ما يقوم به.
قلق نفسي: هو الذي ذكرنا أسبابه آنفاً، يشعر معه الشخص بالعصبية الشديدة وعدم الإحساس بالراحة والتحفز، والانفعال من أمور تافهة، مع التركيز عليها والتعامل معها بنفسية متشنجة.
إن القلق النفسي يسبب حالة الاضطراب المستمر لدى الشخص فيفقده التركيز في عملية التفكير واتخاذ القرارات المناسبة، حيث تكون الرؤية لديه مشوشة بسبب القلق المستمر، فيخلط بين الأمور ويرتب نتائج غير صائبة وبعيدة عن الحقيقة والواقعية مع قناعته التامة بصحتها، ويصر على التعاطي بهذه المنهجية دائما متمسكا بها.
كما أنه يؤثر على الإنسان من الناحية الجسمية، حيث يشعر بخفقان القلب أو رعشة اليدين أو آلام الصدر وبرودة الأطراف واضطرابات المعدة وغير ذلك من الأعراض الأخرى التي تتطور بفعل العامل النفسي.
يقول تعالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [7].
وهناك الكثير من الآيات الأخرى التي تدل على هذا المعنى، والتي تتناول تزيين العمل للنفس مع كونه خطأ، ولكن بعد ذلك يتحول إلى قناعة راسخة في ذهنيته.
الاضطراب والتوتر
من الطبيعي أن الذي يعيش حالة القلق النفسي المستمر، لا يكون في استقرار وهدوء، بل يكون مضطربا ومتوترا بشكل دائم  ومستمر من أمور قد يكون بعضها حقيقيا وقد يكون أغلبها غير حقيقي، يشعر معها بالخوف والقلق، فلا يهدأ له بال ولا يقر له قرار.
وهذا الاضطراب يكون من خلال التراكمات لردود الأفعال والمشاكل التي يعيشها دائما ويحبس نفسه في دائرتها، فيشوش فكره وتضطرب شخصيته، فلا يستطيع التفكير بشكل جيد ومنهجي، كما أن شخصيته تكون مضطربة غير مستقرة، ولا يكون له موقف واضح، وإنما تكون مواقفه مختلفة ومتباينة، مهزوز الشخصية فاقدا للاتزان.
تأثيره في العلاقات الاجتماعية
إن الذين تنتابهم حالات الغضب الشديد وردود أفعال عنيفة، تتأثر علاقاتهم سلباً مع المحيطين بهم الذين يعيشون في دائرتهم ووسطهم، حيث أنها تضعف الرابطة والصلة بينه وبينهم، بسبب تصرفهم وردود أفعالهم المتشنجة التي تفقدهم السيطرة على أعصابهم، فعند ذلك يبتعدون عنه وينفرون منه خوفا من تصرفاته من جانب، ولتأثير تلك التصرفات على نفوسهم من جانب آخر. فإن النفس تميل وتركن للنفس الهادئة وتنفر من النفس التي تتصف بشدة العصبية.
وهنا نسجل بعض الملاحظات لعلها تكون سبيلا للتخلص من حالات الغضب والانفعال الشديدين.
كل شيء يحتاج لرياضة خاصة به، والصفات النفسية تحتاج لرياضة وتحمل، فإن الذي يتحول لعادة عند الإنسان يصعب عليه التخلص منها إلا بمشقة وبذل جهد وممارسة مستمرة للسيطرة عليها ومحاولة التخلص منها، فإذا أراد الإنسان أن يقتلع عن عادة ما عليه أن يحاول مرارا وتكرارا ولا يستسلم لتزيين نفسه إليه بعدم قدرته على ذلك.
فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع):"ومن لا يتحلم لا يحلم" [8].
إن العادة والسلوك الذي يتعود عليه الإنسان يحتاج إلى جهد للتخلص منه، ويكون ذلك من خلال منازعة النفس ومجاهدتها واختيار ما يكون ضد رغبتها ونزوعها، فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع):"خالف نفسك تستقم.." [9].
فإن نزعت النفس للغضب وردود الأفعال المتشنجة، فعلى الإنسان أن يخالفها ويجاهدها بقوة حتى يتمكن من السيطرة على ردود أفعاله.
-----------------------

[1]الشيخ الصدوق. الخصال، ص543.
[2]الحج/15.
[3]الشيرازي: الشيخ ناصر مكارم. الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج10، ص300.
[4]الشيرازي: الشيخ ناصر مكارم. الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج10، ص302.
[5]نهج البلاغة، ضبط الدكتور صبحي الصالح. من خطبة للإمام علي (ع)  يصف فيها المتقين.
[6]د. عبد الغفور: عبد الرءوف. دراسات في علم النفس الإسلامي. مؤسسة أهل البيت. بيروت-لبنان. 1408هـ. 1987م. بتصرف.
[7]الكهف/ 103-104.
[8]الشيخ الصدوق. الكافي: ج8، ص20.
[9]الريشهري: محمد. العلم والحكمة في الكتاب والسنة، ص416.

-----------------------

كلمة الجمعة بتاريخ 13 شوال 1430هـ. الموافق 2 أكنوبر 2009م.

من نفحات العصمة
صورة عشوائية
تكريم