يتنوع الخطاب في القرآن الكريم إلى أنواع مختلفة بحسب قصد وغاية الخطاب وبالنظر للمخاطب به، فمنه ما كان لفئة دون غيرها أو لملة دون سواها، ومنه ما يكون موجها للنساء دون الرجال أو للرجال دون النساء أو للرجال والنساء على حد سواء، لتوضيح أحكام خاصة أو مشتركة، وتوجيهات عامة للمسلمين، ومنها ما كان القصد منه الناس جميعا دون النظر للديانة ولا للخصوصية، وإنما يكون لتوضيح أمر أو أصل عام لا يختص بدين أو فئة دون غيرها. فمرة يكون الخطاب موجها لأهل الكتاب، ومرة للنصارى وأخرى لليهود، ومرة يختص بنساء المسلمين أو لرجال المسلمين أو لرجال ونساء المسلمين، كقوله تعالى:"يا أهل الكتاب" و"الذين هادوا والنصارى" و"يا أيها الذين آمنوا" و"يا بني آدم" و"يا أيها الناس"، إلى غير ذلك من أشكال الخطاب الملقى بحسب القصد والمقصود به. وبين أعطاف آيات القرآن الكريم خطابات متنوعة يكون فيها المخاطب الإنسان بغض النظر عن الخصوصية الدينية والشخصية ويكون المقصود بها لفت النظر لأصول مشتركة، يقول تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [1] . فالخطاب في هذه الآية المباركة خطاب عام وشامل لبني الإنسان على وجه العموم، فلا يختص بفئة أو دينٌ دون آخر أو طائفة دون أخرى، وليس موجها لعرق دون عرق، ولا يختص بالرجال دون النساء، بل هو خطاب شمولي يتناول بني الإنسان.. شرقيهم وغربيهم، أسودهم وأبيضهم، رجالاً ونساءًَ. والحديث هنا -في الآية المباركة- عن مسألة في غاية الخطورة والأهمية حيث أنها تؤسس لعملية البناء الاجتماعي، هذا الكيان الذي جعل له الشرع المقدس أهمية بالغة للمحافظة عليه من التصدع والتشتت، بل يوجه خطابه نحو ضرورة وأهمية بنائه بناءً متيناً قويا، واضعا له حدودا وأطرا وقوانين تحكم العلاقة بين أفراده وأبنائه وأطيافه، كما أنها تؤسس لسنة التدافع ولعملية الحراك الاجتماعي الذي تعتمد على مختلف الأطياف والأفراد على تنوعهم رجالا ونساءً. مبدأ المساواة في الخلق ألغى الإسلام الامتيازات والاستثناءات بين أبناء البشر من حيث أصل الخلق والتكوين، فلا يوجد تمييز لبعضهم على بعض، ولا عرق أفضل من عرق، ولا شعب أفضل من شعب، ولا أمة أفضل من أمة، فمفهوم الإنسانية يحمل على أفراده ومصاديقه بالتواطؤ لا بالتشكيك، -كما يقول أهل المنطق- فهذا المفهوم الذي يعبر عنه قوله تعالى:(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)، فالنفس الواحدة تعني الاشتراك في مفهوم الإنسانية بدون استثناءات أو امتيازات، فحقيقة الإنسانية حقيقة واحدة ليس فيها شدة وضعفاً، وإنما يشترك فيها جميع البشر، ويشملهم المفهوم، فهم من حيث أصل الخلق متساوون، يلغي الامتيازات التي ربما يحاول البعض تأصيلها بين أفراد البشر على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وجنسهم وأعراقهم، فليس هناك فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى. كما أن الآية المباركة تتناول حقيقة عدم اختلاف وتميّز الرجل عن المرأة، فهما متساويان في أصل الخلق، والخطابات الشرعية لا تختص بصنف دون صنف إلا فيما يرتبط بكل صنف من أحكام بسبب اختلاف الوظيفة والطوارئ التي تطرأ على كل صنف منهما، فأحكام النساء مختصة بالنساء وهي تشترك مع الرجال في سائر الخطابات التكليفية الشرعية. وقد رفع الإسلام المرأة وجعل لها مكانة اجتماعية مرموقة، انتشلها من براثن الانحطاط الجاهلي الذي كان يتعامل معها بالدونية والضعة، ولا يعير لها أدنى اهتمام، إلا في مجال الاستمتاع بها واستعمالها للترفيه عن النفس، كما هو ديدن الغرب اليوم الذي حول المرأة إلى سلعة تباع وتشترى لذات الغرض والهدف وهو كونها آلة ترفيهية للرجال، فأصبحت لها مسابقات ملكات الجمال التي تبذل فيه المرأة جهدها من أجل إغراء المشاهدين مستعرضة لهم مفاتنها وجسدها، وهي بدورها تصل لأقصى درجات النشوة من خلال تلك الاستعراضات المهينة، وكما كان في الجاهلية، يعود اليوم في جاهلية القرن الحديث الغاية واحدة ولكن بطرق مختلفة ومتنوعة فرضها التقدم والتطور العصري، والمقصود من خلال ذلك امتهان المرأة ومسخها، فها هي شركات الدعاية والإعلان والموضة تسعى جاهدة لعرض سلعها الاستهلاكية عن طريق ابتذال المرأة وعرض جسدها لتكون أداة جذب للمستهلك في صورة تتعدى الدعاية للمنتج بل تصل لحد إغواء وإثارة الجانب الجنسي والغريزي لدى المشاهد، فيؤثر ذلك في تكريس حالة الميوعة والابتذال والابتعاد عن القيم الاجتماعية والدينية. وما الهيئات والمؤسسات الداعية لحقوق المرأة بأقل خطر من أمثال تلك الشركات التي تستخدم المرأة كأداة ترفيه، بتبنيها لقضايا الانحلال والتحرر بكساء براق من شبيه كلمة حق يراد بها باطل، متصدية للدفاع عن حرية المرأة، تحت شعارات زائفة ومخادعة، من حق المرأة في عدم ارتداء الحجاب وكونه خلاف التحضر، وأن لها حرية كما للرجل فلها أن تفعل ما تشاء وما تريد تحت عناوين خلابة يراد منها حرف مسيرة المرأة وإغوائها لتتحرر وتنسلخ من كل قيمة إنسانية وإسلامية. أمام كل ذلك أعلن الإسلام رفضه التام لأي نوع من أنواع الابتذال للمرأة، عبر ذكر وفرض حقوقها، وتعريفها بأهميتها ومكانتها ومهمتها ووظيفتها، كما أنه أكد على ضرورة حجابها وسترها وحشمتها وصونها وعفافها لأنها ليست تحفة استعراض ولا سلعة مزايدات. الحراك الاجتماعي شراكة وبما أن الرجل والمرأة تحكمهم المساواة، وبما أنهما القطبين اللذين تعتمد عليهما المجتمعات في تكوينها وبنائها، فعلى ذلك تكون عملية الحراك الاجتماعي شراكة بينهما، فهما مسؤولان عن عملية النهوض والتقدم والمحافظة على كيان المجتمع وبنائه من التصدع والانهيار، من خلال متابعة المشاكل ومحاولة إيجاد الحلول لها. إن عملية النهوض الحضاري لا يمكن أن تكون في بعدها الآحادي الجانب الذي يعتمد على وجود عنصر الرجال فقط، وما ذلك إلا لأن المجتمع يتكون من نسيج اجتماعي هو خليط من الرجال والنساء، فدور المرأة ليس هامشياً، وإنما دورها محوري ومهم وخطير لما تشكله من كونها إحدى الركيزتين اللتين تبنيان المجتمعات البشرية. لذلك نجد أن المرأة كان لها دور مهم بجانب الرجال في الحياة العامة والخاصة، بل ولا يمكن للرجل الاستغناء عنها بحال، فقد كانت موجودة في ساحات المعارك، تضمد الجراح وتداوي الجرحى وتسقيهم الماء وتسعفهم، كما أنها كانت وراء العظماء الذين مروا في طول تاريخ البشرية من أنبياء وأولياء وصالحين وشهداء، وعلماء وفقهاء وغيرهم الكثير الذي أثرى الساحة بالفكر والثقافة والعلم والمعرفة. فإذا أراد مجتمع ما النهوض والصعود في سلم الحراك الاجتماعي فعليه أن يضع في حسبانه وضع المرأة وأهميتها في عملية صيانة المجتمع وأبنائه، لا أن يلغي دورها ويمسخ شخصيتها ويصادر رأيها. فقد يتصور البعض أن المجتمع يكتفي بتواجد العنصر الذكوري ومهمته ومقدار ما يقدمه من أعمال ومهام لخدمة المجتمع، ولكن هذا التصور يجانب الصواب، وما ذلك إلا لأن المرأة لها مكانتها الاجتماعية والتربوية والثقافية التي لا يصح تجاهلها. وبما أن المجتمعات البشرية تعتمد في بنائها على المرأة، فكذلك عملية التطور والتقدم تعتمد عليها شاء أبناء المجتمع ذلك أم أبوا، فالأم على سبيل المثال لها دور مهم وخطير في العملية التربوية لأبنائها، فهي قاعدة تولد الإنسان وفي أحضانها تتربى الأجيال وتترعرع، وهي مؤهلة من الناحية الجسمية والفسيولوجية لتربية الأجيال، إذ عليها يعتمد الأبناء في صغرهم ولا يتخلصون من حاجتهم لها إلا بعد أن يصلوا إلى حد النضج والرجولة في الغالب، فإن كانت الأم ذات خلق وسلوك طيب واعية لمسؤوليتها ومهمتها، فإنها ستعكس كل ذلك على أبنائها وبناتها، وأما إذا كانت ذات خلق سيء أو لم تكن واعية ومدركة لمسؤوليتها فإن ذلك ينعكس سلبا على أبنائها وبناتها، فكما تغذيهم من لبنها فهي أيضا تغذيهم من حنانها وعطفها وسلوكها وأخلاقها وثقافتها وإيمانها وعفتها. كما أنها بشكل عام تؤثر على المجتمع وأبنائه سلبا وإيجابا بسلوكياتها وأخلاقها وثقافتها، شأنها في ذلك شأن الرجل، فإن لكل واحد عاملان مهمان: عامل إمكانية التأثير في المحيط، وعامل قابلية التأثر بالمحيط أيضا، لكون العلاقة علاقة تفاعلية بين مختلف الأطراف، وليست علاقة تراكمية بعيدة عن الفعل والانفعال. تفعيل دور المرأة قد تغفل المرأة أهمية دورها بسبب ما تفرضه عليها الأعراف والتقاليد ونظرة المجتمع وأسلوب وطريقة تعامل أبنائه معها، وهي بدورها ربما تتجاهل أهمية ذلك في حياتها، وتحسب أنه لا دور لها يمكن أن تقوم به على المستوى الاجتماعي والثقافي والديني، ولكن وبإثارة بسيطة لها وتوجيهها لأهمية وقيمة ذلك الدور الذي يمكن أن تقوم به على أصعدة متنوعة، فحينئذ سرعان ما تنتبه من غفلتها محاولة أخذ زمام المبادرة والتصدي لكثير من قضايا المجتمع، وما ذلك إلا لما نراه من أن المرأة تكون سباقة في كثير من البرامج الاجتماعية والدينية والثقافية، مندفعة بكل شغف للاشتراك فيها والمداومة عليها لفترات قد تكون طويلة المدة. كما أننا بحاجة ماسة لتصدي المرأة لقضايا بنات جنسها وما يختص بهنّ من أحكام وقضايا ومشاكل تحتاج فيها لرؤية وموقف يعالج تلك المشاكل على اختلافها، وتكون مرجعا ترجع إليها النساء والفتيات في أحكامهن وقضاياهن. لذلك وحتى يمكن للمرأة أن تكون في مستوى تحمل المسؤولية بأبعادها المختلفة، لابد أولاً من الأخذ بيدها، وتفعيل دورها لتضع رجلها في أول طريق التصدي لتحمل مسؤولياتها، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا من خلال عملية بناء لشخصيتها. بناء الشخصية مسؤولية أي شخص إذا كان يفتقد شيئا فإنه لا يمكن أن يعطي ذلك الشيء للآخرين، فكما يقولون أن فاقد الشيء لا يعطيه، وبالتالي إذا لم تكن شخصية الإنسان المؤمن مبنية بناء محكما متينا، فإنه لا يمكن أن يبني الآخرين الذين يتواجدون تحت مسؤوليته ورعايته. وهذا شامل لكل أحد، فلا تختص به المرأة دون الرجل، بل كل شخص رجلا كان أو امرأة عليه أن يراعي هذه القاعدة ليتمكن من توفير ما يفتقده الآخرون، فإذا كانت شخصية الداعي شخصية مهزوزة أو غير سوية فإنه يكون عاجزا فلا يستطيع أن يعطي الآخرين ما ينقصهم، لأن شخصيته ليست مؤهلة لمثل ذلك. فعلى المرأة أن تبني شخصيتها بناء محكما، في أبعادها المختلفة، على مستوى الإيمان، والعلم والمعرفة، والأخلاق والسلوك، معتمدة في ذلك على أصول التربية الإسلامية التي وضحتها الآيات والروايات الواردة عن النبي الأكرم (ص) وأهل بيته (ع)، كما عليها أن تربي المحيطين حولها على تلك الأصول التي تبني الفرد كفرد وتبنيه فردا ضمن مجتمع. وهنا لابد من أخذ الحيطة في تلك الأصول التي تعتمدها في تربيتها للمحيطين، فلا تكرس جهدها في زرع بذرة السعادة الدنيوية على حساب السعادة الأخروية والسعادة الدنيوية في الأمور المباحة والمشروعة بدون توغل فيها على حساب الأخرى، فكلتا السعادتين تشكلان الغاية والمقصد. فقد يشتبه بعض الناس في تفكيرهم وتحديدهم لمعنى السعادة في البعد الدنيوي فقط، فيعتبرون أن غاية السعادة في الدنيا وملذاتها، من أكل وشرب، وسفر وسياحة، ولباس، ومنزل مزخرف بأحدث ما توصل إليه الفنانون والمهندسون، ووظيفة مرموقة ذات راتب مرتفع، والترفيه عن النفس بحجة أن الشرع لم يحرم ذلك، فالحياة ليست مجرد عبادة واهتمامات ثقافية وفكرية وغير ذلك، ظنا منهم أنهم قد أدوا ما عليهم من واجبات تجاه الدين والمجتمع، مكتفين باليسير فقط، وإلى غير ذلك من أمور تشغل بال الإنسان وتستلذ نفسه بها، بيد أن الإسلام لم يحرم على المسلم خيرات الأرض وثرواتها وما حوته وما يمكن أن يتوصل إليه، ولم يحرم عليه الأكل بأنواعه وطعمه ونكهته ومذاقه أو الشرب أو السفر والسياحة أو الملابس الأنيقة بأنواعها وأشكالها وألوانها، كما ولم يحرم عليه الترويح عن النفس، بل حثت التعاليم على أن يستمتع بجميع ما يمكن الاستمتاع به في حدوده المشروعة والمباحة، لا أن يجعل كل ذلك غاية سعادته، رابطاً سعادته وشقاءه بتوفرها أو عدم توفرها بالنسبة إليه، فيرى أن مقدار السعادة الحقيقي هو في إشباع رغبته من الأكل والشرب والسفر والترويح عن النفس وتوفير كل مستلزمات ومتطلبات ذلك. يقول تعالى:(وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [2] . فالآية المباركة تجعل الآخرة هي الهدف والغاية من الخلق، ولكنها لا تنكر على الإنسان أن يسعى من أجل الاستفادة من الدنيا وملذاتها وتوفير ما يحتاج إليه، ولكن وكما قلنا بحيث لا تتحول إلى هدف وغاية، فيبني سعادته على وجودها وتوفرها. إن السعادة هي في كون الإنسان محافظا على دينه وقيم ومبادئ السماء التي تقوده نحو السعادة الحقيقية لا السعادة المزيفة والتي يحسبها الظمآن ماءً. فإن حياة الإنسان الحقيقية هي في إيمانه وتقواه ودينه، وعلمه ومعرفته، ومقدار التزامه بالقيم والمبادئ السماوية، أما تحقيق السعادة عن طريق الدنيا وما يرتبط بها، فهي كظل زائل وسراب بقيعة. لذلك نرى أن هناك الكثير ممن ركزوا على السعادة الدنيوية وسعوا لتحقيقها واجتهدوا لتوفيرها، ولكنهم من ناحية أخرى أهملوا أمور دينهم فلم يكن اهتمامهم بها كاهتمامهم بإشباع غرائزهم ورغباتهم وشهواتهم المتنوعة. وهذا الإهمال إنما حدث من خلال التهاون بأحكام وقيم الدين وعدم التفاعل معها وتفعليها في واقع الإنسان رجلا كان أو امرأة، والتركيز على إشباع البعد المادي المرتبط بالنفس البشرية التي لا تشبع مهما أخذت، وبتأصيل المفاهيم المادية وجعلها المنطلق لكل حركة يقوم بها الإنسان بل وتحويلها إلى أهداف وغايات. يقول الإمام علي (ع) في مثل هؤلاء الذين يجعلون السعادة في تحقيق أمور الدنيا آنفة الذكر ويجعلونها مقياسا لمدى سعادتهم أو تعاستهم:"فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها. أو أترك سدى أو أهمل عابثا، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة" [3] . فمسؤولية المرأة -كما هي مسؤولية الرجل- تحثها على بناء شخصيتها وفق القيم والمبادئ والمفاهيم الدينية والإنسانية، تلك القيم والمبادئ التي تحركها باتجاه التفاعل مع قضايا الدين، وأن تؤصل شخصيتها على أساسها وهديها، فإن ملذات الدنيا سرعان ما تنتهي لذتها وتتلاشى وتزول، وكم من إنسان سعى جاهدا من أجل تحقيق أمر دنيوي يرى فيه سعادته وهناءه ولكنه أصبح وبالاً عليه أو أسرع إليه الموت قبل بلوغ غايته، فخسر بذلك الدنيا والآخرة معا، وما ذلك إلا لأنه أسس أصول تربية نفسه وتربية المحيطين حوله على أصول فارغة المحتوى والمضمون إلا من لذة سريعة التلاشي نسجتها أوهام التعلق بحبائل الدنيا من خلال تلقي ثقافة مادية والتفاعل معها. والقرآن الكريم يضرب لنا أروع الأمثلة للمرأة التي تحملت مسؤوليتها، فضحّت وآثرت دينها على سلامتها ومصالحها الشخصية وسعادتها الدنيوية، تلك المرأة هي آسية بنت مزاحم، المرأة العظيمة التي لم تغتر ولم تنخدع بملذات الدنيا وزخرفها، وصمدت أمام الترهيب والترغيب، فعن بحار الأنوار:"قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى:(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ) هي آسية بنت مزاحم، قيل: إنها لما عاينت المعجز من عصا موسى وغلبت السحرة أسلمت فلما ظهر لفرعون إيمانها نهاها فأبت فأوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس، ثم أمر أن يلقى عليها صخرة عظيمة، فلما قربت أجلها قالت:رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، فرفعها الله تعالى إلى الجنة فهي فيها تأكل وتشرب، عن الحسن وابن كيسان، وقيل: إنها أبصرت بيتها في الجنة من درة وانتزع الله روحها، فألقيت الصخرة على جسدها وليس فيه روح، فلم تجد ألما من عذاب فرعون، وقيل: إنها كانت تعذب بالشمس وإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة وجعلت ترى بيتها في الجنة" [4] . فآسية هذه المرأة الصابرة مثال للمرأة التي أدركت وتحمّلت مسؤولياتها، فقد كانت ذات بصيرة نافذة ورؤية ثاقبة وإيمان راسخ بأن السعادة لا تتمثل في حياة تنتهي لذتها، إلا بمقدار ما يأخذه الإنسان معه من زادٍ يبلّغه الآخرة، ولا يحول الوسائل إلى غايات وأهداف فيعبدها حينما تكون غاية همه ربط وبناء سعادته بها. وبما أن المرأة شريكة الرجل في البناء الاجتماعي، فهي مسؤولة أيضا عن تواجدها على الساحة الاجتماعية بكل ثقلها وإمكاناتها وقدراتها وطاقاتها، وتغيبها عن الساحة يعني تعطل الدور الاجتماعي بشكل جزئي مما يؤثر سلباً في الوضع الاجتماعي العام، كما أن تغيبها يعني خسران كفاءات وطاقات كان الأجدى أن تستثمر في عملية البناء والحراك الاجتماعي والثقافي والديني. فإلى متى تبقى المرأة في مجتمعاتنا حبيسة الوهم والخرافات والأساطير، وأسيرة بعض العادات والتقاليد البالية التي لم ينزل الله بها من سلطان، ورهينة الجهل الذي بسببه أبعدت نفسها عن تحمل مسؤولياتها الدينية والاجتماعية، وأصبح بعضهنّ لا يفكرن إلا في سعادة زائفة.. سعادة مبنية على أصول وهمية، أبعدتها عن قيم ومفاهيم ومبادئ الرسالة السماوية التي ما وجدت إلا لسعادة الإنسان في الدارين. -------------------- [1] النساء/1. [2] الصص/77. [3] نهج البلاغة، ج3، ص72. [4] العلامة المجلسي: بحار الأنوار، ج13، ص164. ------------------ كلمة الجمعة بتاريخ 19 جمادى الآخرة 1430هـ الموافق 12 يونيو 2009م