يحكم العلاقات الاجتماعية مجموعة من القوانين والنظم والقيم، التي تكفل للجميع حقوقهم، وتحفظ حرياتهم. ولكون العلاقة الاجتماعية علاقة متداخلة متشابكة ومعقدة، تحتاج لتنظيم وحدود، فقد صاغ الشارع المقدس قوانين وأطر ثابتة لا يصح تجاوزها، للمحافظة على روح المحبة والألفة والانسجام بين أبناء المجتمع والأمة بمختلف التوجهات والتباينات. وهذه القيم ثوابت وخطوط حمراء والتعدي عليها أو محاولة تجاوزها يعد خطرا عظيما، فحرية الإنسان تنتهي عند نقطة بداية حرية وحقوق الآخرين. هذا؛ بَّعْدَ الدعوة والتأكيد على ضرورة بناء المجتمع المتماسك، الذي يكون فيه أبناء المجتمع أعضاء أو أجزاء ضمن جسد المجتمع والأمة المركب منهم. وكما هو معلوم.. أن الجزء ضمن المركب ينفعل به سلبا أو إيجابا، له جزء تأثير كما له تأثر كذلك، فأي خلل أو عطل يصيب أي جزء، فإن المركب سوف يتأثر به مما يسبب شل حركته وتعطيله أو اضطراب فاعليته. صحيح أن العلاقات الاجتماعية ليست قائمة وفق القوانين الفيزيائية، وصحيح أيضا أنها ليست من باب العلة التامة التي يؤثر فقدانها انعدام المعلول أو تأثره بها، ولكن لها تأثيرات مباشرة أو شبه مباشرة في البعد المعنوي. فحاجة أبناء المجتمع لبعضهم تتعدى البعد المادي، لتصل إلى جانبه المعنوي، الذي يشكل أسمى وأرقى آيات الاتصال الاجتماعي في بعده الوحدوي، الذي تحث تعاليم الإسلام على إيجاده وتأصيله، وجعله المنطلق للتعامل، والحاكم بين أبناء المجتمع الواحد، بعد البحث والوقوف على الثوابت والمتغيرات، والكليات والجزئيات، التي تشكل القانون والنظام لحماية البناء الاجتماعي وسلامته. إن تداخل المصالح الاجتماعية واحتياج أبناء المجتمع لبعضهم ولكفاءاتهم المتنوعة يدعو لنبذ الانكفاء على الذات -أفرادا وجماعات- وجعل تلك الكفاءات في متناول الجميع واستثمارها لتعم وتشمل أكبر مساحة ممكنة، لا أن يحجم بشكل لا يستفيد منها إلا من ينضوي تحت هذا التوجه أو ذاك!. وهذه ظاهرة سلبية نلمسها ونلاحظها في مجتمعاتنا، حيث باتت الاستفادة من كثير من الكفاءات والأنشطة الاجتماعية محصورة بفئات صُنّفت ضمن تيارات وتوجهات محددة، إلا القليل منها، ومن طرف آخر ضرب نوع من السياج على بعض الكفاءات لكونها ذات توجه آخر، فحرمت المجتمع منها. إن الخاسر الوحيد من عملية الإقصاء ليست تلك الكفاءات، وإنما الخاسر هم أبناء المجتمع الذين مارسوا التجهيل والإقصاء ضدهم مما اضطرهم للابتعاد والانزواء بكفاءاتهم وعقولهم. والغريب حقا؛ عندما يتجاهل ابن المجتمع تلك الطاقات والكفاءات من أبناء أمته ومجتمعه من أجل اختلاف في وجهة نظر أو عندما يتبنى خطا أو نهجا مغايرا ومختلفا له، متناسين كونهم جميعا يستظلون بمظلة واحدة، وينهلون من رافد ومعين واحد. والأعجب من ذلك أن لديه الاستعداد لخسارة تلك الطاقات والكفاءات، فيمارس عليها التجهيل والتهميش، هذا إن لم تصل إلى مرحلة جعلهم سخرية المجالس. يقول تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [1] فعندما يضيق الأفق وتتحول النظرة لتصبح أحادية الجانب، وحين يمارس الإقصاء ضد الآخر الداخل المختلف، فإن النتيجة هي إجهاض ووأد الكفاءات المختلفة وحرمان أبناء المجتمع منها. يوجد الكثير من أبناء المجتمع ذوي كفاءات متنوعة ومهمة، ولكنهم يعيشون مغمورين، لم يستثمر أحد تلك الطاقات والكفاءات، ولم يخرجها للنور، بل مورس ضدهم أبشع أنواع الإقصاء، فهدرت طاقاتهم وحرمت وغيبت عن أخذ مكانتها الطبيعية بشكل متعمد. من هو المسؤول عن هدر كفاءات كان الأولى استثمارها لصالح المجتمع؟ لا يمكن أن نلقي باللائمة على جهة أو شخص، فنحمله المسؤولية، ولكنها مسؤولية أبناء المجتمع بشكل عام، لا يمكن أن يتنصل أحد منها أو يدعي خلاف ذلك، وبما أنها مسؤولية جميع أبناء المجتمع، فإذا وجد من يتصرف بسلبية تجاه تلك الكفاءات فعلى الجميع توضيح موقفهم من خلال إنكار ذلك، وأن يبدو امتعاضهم وأن يمارسوا ضغوطا على الطرف الرافض بأسلوب رصينٍ وبطريقة توحي بالحب والمودة واللين. فهناك من يتعمد الإقصاء متذرعا بمختلف التبريرات الواهية، التي لا تستند إلا على أمراض نفسية من الحسد والحقد والكراهة، أو عدم الفاعلية بمعنى ليس له دور على المستوى الاجتماعي، وإنما يعيش على الانتقاد السلبي عندما يرى الآخرين قد تقدموا عليه بمسافات، وبرزوا على مستوى العمل الاجتماعي، وقدموا لمجتمعهم الكثير من الأعمال والمنجزات. وهناك من يساعد على ذلك بالسكوت والرضا بما يحدث في مجتمعاتنا من أنواع الإقصاء لكفاءات كان حري بالجميع أن يشدوا عضدها ويقدموا لها التشجيع والدعم المستمر من أجل الاستفادة منها وتطويرها لصالح أبناء المجتمع. ما هو منبع الاستهزاء بالكفاءات وتهميشها وتجاهلها؟ هناك عدة أسباب يكمن وراءها تجاهل وتهميش بعض الكفاءات الاجتماعية والاستهزاء بها: أولا: الإحساس والشعور بالتميز. الناس كلهم خلق الله، ومن حكمة الله تعالى أنه قد جعل هناك تباينا واختلافا بين أبناء البشر، في كل شأن من شؤونهم، لا ينفك ذلك التباين والاختلاف سمة من سمات هذا الكون، فهي شاملة تنسحب على كل ما أبدعته يد الحكمة الإلهية والقدرة الربانية. والإنسان ليس بدعا من القول؛ فهو أيضا يجري عليه هذا التباين والاختلاف، فهناك اختلاف في الصفات البدنية، وفي الشكل واللون، والقدرة العقلية ومقدار ما يمكن الاستفادة منها، وتباين على مستوى الإدراك، وفي الصفات الأخلاقية والسلوكية، كالعفة والسخاء، والفهم ونحو ذلك. وهذا الاختلاف والتباين ليس لتمييز أبناء البشر عن بعضهم، وجعلهم طبقات دنيا وأخرى عليا، يكون لها ما لا يكون لمن هم أدنى منها، وإنما هي لتعاونهم في عمارة الأرض وفي توفير شؤون بعضهم لبعض، وتكاملهم مع بعضهم، لتنتظم حياتهم وشؤونهم. فحينما يشعر الإنسان في داخله بالتفوق على الآخر، -والذي ربما يكون توهما- فإن ذلك يساهم في عملية الابتعاد والنفور عنه، بل تنفره هو من الآخرين الذين ينظر إليهم بالدونية والضعة، لشعوره بالاستعلاء. فالذي يعيش هذه الحالة على المستوى الشخصي أو على المستوى الجماعي، بأن يرى الشخوص التي تمثل الانتماء في مستوى يفوق الآخرين، ويحصر الفاعلية فيهم، ويهمش الآخرين الذين لا ينتمون لذات التوجه، فإن هذا الشخص يعيش حالة الغرور والحسد اللذان يسارعان في عملية هدم البناء الاجتماعي برمته، لما يسببه ذلك من تفككاً في العلاقات الاجتماعية، وجعل أبناء المجتمع أصنافا وجماعات وشيعا متفرقة. يقول تعالى:{كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [2]. ثانيا: وجود النقص الشعور بالنقص أمر طبيعي يلازم الإنسان لعدم كماله، وهو شعوره بأنه أقل من الآخرين في بعض الصفات والملكات، وهذا الشعور والإحساس قد يدفع الشخص نحو التقدم والإبداع والنجاح، وقد يسبب له الفشل والانطواء على الذات، وقد يتحول إلى اضطراب نفسي إذا كانت نزعة الشخص سلبية تجاه هذا النقص، أما الإنسان الإيجابي فإنه يلجأ إلى مواجهة المشكلة بطريقة إيجابية، فيسعى لتعويض نقصه بالتغلب والتفوق. وقد يتحول هذا الشعور إلى مرض العقدة من تقدم الآخرين وتفوقهم فيبدأ في عملية تهميش أعمال وأنشطة الآخرين إلى أن تتطور للنيل من شخصياتهم فيبدأ لديه مسلسل التسقيط. ثالثا: عدم الفاعلية الساحة الاجتماعية أبوابها مفتوحة على مصراعيها، وليست حكرا على شخص دون غيره، ولا جماعة دون غيرها، وباب التدافع والاستباق والتنافس مفتوح أمام الجميع وهم فيه شرعٌ سواء، بل إن الساحة الاجتماعية مفتحة الأبواب حتى لأولئك الذين يسعون في الأرض فسادا، فمن أخذ زمام المبادرة استطاع أن يحرك من يريد باتجاه مشروعه وبرنامجه. وعندما يكون هناك شخص أو جماعة تتحرك وتبذل الجهد والمال من أجل إنجاح مشروعها وبرنامجها لأجل أبناء المجتمع، ويلاحظ عليها التقدم والنجاح، تبرز على السطح بعض أصوات المتقاعسين الراكنين للأرض، ومثبطين ومنتقدين سلبيين، تحاول جاهدة تشويه وعرقلة مسيرة تلك المشاريع والبرامج التي تهدف الصالح العام للمجتمع بدون استثناء، وطالما هو لم يقدم شيئا لأبناء مجتمعه، وجل عمله هو مراقبة المشاريع وانتقادها سلبا، لعدم امتلاكه القدرة على العمل أو الإبداع، فإنه يلجئ إلى عرقلة تلك الفعاليات أو التقليل من شأنها ووصفها بمختلف الأوصاف لتسقيطها. يقول تعالى في أمثال هؤلاء:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [3]. مع توسيع دائرة المعنى وعدم التقيد بسبب النزول. ويقول تعالى أيضا:{وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [4]. فإن قيمة الإنسان مرهونة بما يحسن بغض النظر عن أي أمر آخر ربما يصطلح عليه بعضهم. رابعا: الحسد من تقدم الآخرين الحسد هو أساس الكثير من المشاكل والجرائم التي تقع بين بني البشر، فهو يساهم في نمو الصفات السيئة الأخرى التي تتغذى من صفة الحسد. والحسد هو الذي دعا هابيل لكي يتجرأ على قتل أخيه، فنزع من قلبه الرحمة والمودة والحب، وألغى العلاقة الأخوية بينهما، ولم يهتم بها، ولم تؤثر فيه، وكان هدفه فقط هو تحقيق أهدافه وغاياته التي يصبو إليها. وقد ظن أن الإقصاء والقتل الذي سيحقق له ما يريد، وبتخلصه من أخيه سوف يخلو له الجو وبعد ذلك تتحقق تلك الأهداف التي يطمح لتحقيقها. فالحسد صفة تدعو لارتكاب الكثير من الجرائم، التي لولاه لما وجدت. وهناك مثال آخر يضربه القرآن الكريم، ويبين في طياته خطورة الحسد على حياة المجتمعات البشرية، غير قصة ابني آدم. فها هو يتحدث عن أخوة نبي الله يوسف (ع)، الذين كادوا له المكائد للتخلص منه والقضاء عليه، لكي يخلو لهم وجه أبيهم كما يزعمون، حيث رأوا أن أباهم كان يكن له الحب الشديد، وكان يخاف عليه حتى من النسيم العابر على وجهه. يقول تعالى حاكيا قصة يوسف وأبيه لما رأى الرؤية في المنام:{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ *وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ*اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ * قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } [5]. هذه قصة نبي الله يوسف مع أخوته، حيث كان الحسد يملئ قلوبهم، فحاولوا التخلص منه ليخلوا لهم وجه أبيهم. ولكون يعقوب (ع) يعلم ما سوف يؤدي كشف الرؤية لأخوة يوسف، وأن ذلك سيؤدي إلى تعميق حالة الحسد في نفوسهم، ومن خوفه على ابنه لأن ذلك يؤدي في نهاية المطاف إلى التفكير في التخلص منه، قال له لا تقصص رؤياك على أخوتك فإنهم سوف يكيدون لك ليتخلصوا منك. إلى ماذا يؤدي الاستهزاء بالكفاءات وتهميشها؟! أولا: أن المجتمع سوف يخسر تلك الكفاءات الفاعلة التي كان بالإمكان الاستفادة منها لصالح أبناء المجتمع. وثانيا: يصنع شرخا في البنية التحتية للعلاقات الاجتماعية بسبب حالة نفور بعض أبناء المجتمع من بعض. وثالثا: إصابة الكفاءة بردة فعل سلبية ضد أبناء مجتمعه مما يسبب انكفائه على ذاته وانزوائه عن مجتمعه، وشعوره بعدم فاعلية ما يقدمه للمجتمع. إيجاد خلل في العلاقات الاجتماعية إن العلاقات الاجتماعية قائمة على مبدأ الحقوق والواجبات والاحترام المتبادل -كما ذكرنا ذلك سابقا-، فإذا كانت هذه القاعدة هي الحاكمة بين أبناء المجتمع فإن العلاقات بينهم تكون في أحسن حالاتها، فتسود بينهم حالة التكاتف والتعاون والتكامل والألفة والانسجام، أما إذا ضيعت الحقوق ولم تراع ولم يكن هناك احترام متبادل فإن المجتمع سيكون مضطربا يعيش القلق والنفور وعدم الاطمئنان. إن الإنسان لا يتصور أن يعيش في ظل مجتمع مليء بالمشاحنات والتفكك يضرب أوتاده في جوانبه، متهالك ومتآكل في بنيته التحتية، فكل شخص يريد أن تكون حياته هادئة مستقرة يشملها التعاون والمحبة بينه وبين الآخرين، لأنه يستشعر في داخله ضرورة ذلك وأهميته، فالإنسان لا يمكن أن يقاوم صعوبات ومشاكل الحياة بمفرده وحيدا عن الآخرين. فقدان الأمن الاجتماعي إن الأمن الاجتماعي مطلب كل عاقل، فبدونه لا وجود للاستقرار والطمأنينة والهدوء، وإذا فقدت تحول الوضع الاجتماعي إلى حالة من الاضطراب والقلق وعدم الاستقرار لعدم ثقة أبنائه ببعضهم وتهميش واستهزاء بعضهم ببعض، فعند ذلك لا يمكن أن تكون هناك ثقة متبادلة بين أبناء المجتمع بسبب وجود الاضطرابات بينهم، وإحساس بعضهم بأن تلك الكفاءات التي يمكن أن يستفاد منها اجتماعيا لا أهمية لها عند البعض، وبالتالي ما فائدة السعي من أجل تفجيرها في مجتمع لا ينظر لها بعين الإنصاف والاعتبار. إضاعة وخسران الكفاءات فهنا تضيع الكفاءات وتهدر من خلال الممارسات التي تمارس ضدها، ويكون المتضرر هو المجتمع حيث قد حكم بعض أبنائه بإقصائها وتهميشها. إن المجتمعات المتحضرة هي تلك التي تراعي كل كفاءة ومهارة وتبنيها في محاولة لتطويرها والاستفادة القصوى منها حتى وإن كانت ذات مستوى متواضع أو في اختصاص ربما لا يحتاج إليه المجتمع في مرحلته الحالية. إن الدول والمجتمعات المتقدمة ما تقدمت وبلغت ما بلغت إليه من تطور وتقدم في مجالات الحياة إلا من خلال النظر للكفاءة ومقدار الاستفادة منها وتفعليها بغض النظر عن صاحبها وتوجهه وميوله أو حتى دينه وعقيدته.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين. --------------------
[1] الحجرات/11.
[2] العلق/6-7.
[3] التوبة/79.
[4] الأنعام/52.
[5] يوسف/3-10.
-------------------
كلمة الجمعة بتاريخ: 12 شوال 1427هـ. الموافق 3 نوفمبر 2006م.