الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين      الواقع الاجتماعي بين الحتمية الاجتماعية وإرادة الفرد                                   
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 10
زوار الموقع 225796

كلمات الجمعة
الإمام الجواد عليه السلام مربيا
الشيخ صادق الرواغة | 2010-06-30| قراءات [352]

أبارك لكم مولد الإمام محمد بن علي الجواد (ع) وبهذه المناسبة أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات لمقام صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه، وإلى العلماء والأعلام وإلى الأمة الإسلامية وإليكم أيها الأخوة المؤمنون.
روي عن مولانا الإمام محمد الجواد (ع) أنه قال:"عليكم بطلب العلم، فإن طلبه فريضة، والبحث عنه نافلة، وهو صلة بين الإخوان، ودليل على المروة، وتحفة في المجالس، وصاحب في السفر، وأنس في الغربة" [1].
أكدت تعاليم الإسلام كثيرا على ضرورة وأهمية طلب العلم لما له من أهمية في بناء الأفراد والمجتمعات والأمم، فإن الأمم إنما تقاس بمقدار علمها ومعرفتها وسعة الحركة العلمية والفكرية.
وقد وردت الروايات الكثيرة المؤكدة على أهمية طلب العلم ومقام ومكانة العلماء في مجالات الحياة وعلومها الإنسانية المتنوعة التي تخدم البشرية في كثير من الأصعدة والمجالات الوظيفية المهمة التي يعود نفعها على الإنسان في مجمل الاختصاصات.
ولأهمية العلم في حياة الإنسان بشكل عام والمسلم على وجه الخصوص، جاءت مدرسة أهل البيت (ع) لتركز وتؤكد على أهمية هذا الجانب الحيوي في حياة المؤمن، فقامت تلك المدرسة على أسس علمية أهمها أمران:
الأول: المحافظة على تراث النبي الأكرم (ص) وما حوى من رواية وسيرة، ونقله إلى الأجيال بأيد حافظة أمينة، ليصل إلينا ذلك التراث المهم وهو سالما من الشوائب التي شوهته أقلام المؤرخين وكاتبي التراث بسبب قربهم من الخليفة الذي إنما كتبوا التاريخ باسمه لتمجيده وتعظيمه وعكس صورة نقية عن الخليفة وتشويه صورة معارضيه في أعين الأمة.
هؤلاء المؤرخون الذين ليست لديهم أدنى نزاهة في نقل التراث كما هو، وإنما كانت الإملاءات هي التي تحدد سردهم للأحداث أو لنقل التراث النبوي الذي قد وضع ودس فيه الكثير من الروايات والأحاديث المشبوهة والمزورة والمكذوبة على الرسول (ص).
ولا نغالي إذا قلنا أن هناك الكثير من الأحاديث التي وضعت على رسول الله (ص) بعد مماته، كما تجرؤوا عليه في حياته، فعن :bمحمد بن عبيد الغبرى حدثنا أبو عوانة عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" [2].
هذا والنبي (ص) ما زال بين أظهرهم حيا يرزق، فكيف مع وجود الفاصل الزمني بينه (ص) وبين رواة أحاديثه من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وهكذا، فكلما توسعة دائرة الزمان وكثر الرواة فالنتيجة حينئذ قد تكون تداخل كلام راوي الحديث مع قول الرسول (ص)، أو تعمده في تحريفه،أو وضع الحديث المكذوب على رسول الله (ص)،أو تصحيفه.
الثاني: احترام دور العقل، وتوظيفه في مجال الفهم والاستنباط والاستنتاج الفكري، واستثماره كأفضل ما يكون الاستثمار، من خلال الحث على تفعيل دوره وممارسة التفكير الموضوعي الذي ينعكس على شخصية الإنسان فيوسع دائرة معارفه وأفق تفكيره، بينما إذا لم ينشّط دور العقل وأهمل ولم يستثمر كطاقة وقدرة مهمة في حياة الإنسان فإن النتيجة تكون الخمول العقلي والركود الفكري.
وما تطور الإنسان في جوانب حياته إلا بالقدرة والكفاءة العقلية التي أبدعت وطورت واخترعت كثيرا من الأمور المستحدثة التي لم تكن متوفرة في زمن مضى، مضافا إلى ذلك فإن العقل له دور مهم في عملية استنباط الأحكام الشرعية والوقوف على أدلتها، وهو محور التكاليف الشرعية وعليه تدور رحى الحساب والعقاب كما دلت عليه الأحاديث الواردة.
ولتنفيذ هذين الأساسين لابد من أساليب باستخدامها يمكن الوصول لذلك الهدف وهي:
نشر العلم والمعرفة
تحتاج الدعوة لمساحة جغرافية واسعة تمتد فيها، وذلك لأن أي فكرة أو دعوة حتى يتحقق لها نجاحا ملموسا ويكون المنتمون إليها أكثر، تحتاج لنشر فكرها وعقيدتها على نطاق واسع، فكلما اتسعت رقعتها كلما تضاعف عدد المؤمنين بها والمنتمين إليها، بينما إذا كانت محصورة في نطاق ضيق فإن ذلك يؤثر سلبا على كمية ونوعية الذين يتبنون رأيها وفكرها، فإذا كانت الدعوة منتشرة في مساحة جغرافية محدودة فإن ذلك يعني أنه ليس كل من يكون ضمن تلك الدائرة سوف يؤمن بها ويتبناها، وبالتالي تكون نسبة النجاح أقل مما لو توسعت الدائرة، فإن توسيعها يعني إمكانية زيادة الذين ينتمون لها، وبمعنى آخر أن نسبة الذين يلتحقون بركبها إذا كانوا في إطار ضيق أقل كثيرا من النسبة التي تكون في دائرة أوسع..
هذا من جانب، ومن جانب آخر؛ كلما أمكن إيجاد مساحة واسعة كلما أمكن نشر الفكر والثقافة التي يراد لها النجاح، بمعنى آخر نشر الفكرة والدعوة والاستمرار على بثها في وسط الأمة -بعيدا عن الابتذال- يعني إغراق الساحة الثقافية بها كنوع من الثقافة الموجهة مما يعني تداول الأمة لها، وهذا يساعد على تطبيع تلك الثقافة وعلى تبنيها ولو على المدى البعيد.
كما تحتاج أيضا لإعداد المبلغين والعلماء والدعاة وأبناء وكذلك أبناء الأمة وتحمل مسؤولياتهم تجاه أنفسهم وتجاه الدعوة والعقيدة.
ثم أن مجرد نشر العلم والمعرفة قد لا يأتي بالنتيجة المرجوة، فيحتاج للتعريف بالفكر النقي الصافي، وتفقيه الأمة وتثقيفها، والحفاظ على أصالة ونقاء الفكر والدعوة.
استيعاب آليات وأدلة الحوار
من الأساليب التي اتبعتها مدرسة أهل البيت (ع) أسلوب المناظرة والاحتجاج الموضوعي والحوار العلمي مع مخالفي رأيهم، وما ذلك إلا لتوسعة دائرة نشر الدعوة عن طريق نشر وبث  عقيدتهم وفكرهم من خلال المناظرة التي تعتمد على الدليل والبرهان والحجة.
وعندما نقول أن أهل البيت (ع) اتبعوا هذا الأسلوب، فذلك لا يعني أنهم يجادلون لأجل الجدال والغلبة فقط، وإنما لأجل توضيح أخطاء الطرف الآخر سواء أكان في فكرته ورأيه أم كان في طريقة فهمه للنصوص والأدلة، وبهذا يلزمون الخصم بالدليل والبرهان والحجة، مع هدف انتشار تلك المناظرة والحوار العلمي في دائرة واسعة بسبب النقل.
ثم أن التسلح بتلك الآليات في حد ذاته أمر مهم على المستوى الشخصي أيضاً ليتمكن من استنباط الآراء والأحكام، وكذلك لتساعده في أي عملية اشتباه تقع في بعض القضايا الخارجية أو الأفكار.
فالحوار يحتاج لموضوعية، كما يحتاج لحضور عناصر أهمها:
عدم استخدام الكلمات الجارحة والمنفرة.
الاستماع والإنصات بكل اهتمام.
سعة الصدر.
عدم الخوض في القضايا التي تنفّر كل طرف عن الآخر.
استحضار عنصر التقوى.
الهدوء والاستقرار.
استحضار الأدلة والبراهين والحجج وطرحها بأسلوب علمي ومقبول.
وهناك الكثير من العناصر الأخرى والتي تجعل من الحوار ذا فائدة عند جميع الأطراف.
التدريس والمتابعة والتوجيه المباشر
لم يكن الوضع التربوي في السابق بأحسن منه في الزمن الحاضر، إذ لم يكن يعتمد أسلوب التربية والتوجيه المباشر، وإنما يعتمد على الأجواء.. ثقافة البيئة وسلوك المحيط، فالتربية المباشرة اليوم معدومة، وإن وجدت فهي بمنأى عن ملامسة الواقع الحياتي للإنسان، فهذا الأسلوب لا وجود له غالبا  في حياتنا التربوية والفكرية والدينية، فابن المجتمع إنما يحركه السلوك والثقافة العامة، يتعلم من خلال الممارسات الاجتماعية التي تطبع عليها، بيد أننا لا يمكن أن ننكر أن هناك بعضا من التوجيه التربوي المباشر على بعض القيم الاجتماعية والأخلاقية والدينية الموروثة ضمن بيئتنا الاجتماعية.
وفي صدر الإسلام وما بعده حتى في زمن السلطة الأموية  والعباسية نراهم يرسلون أبناءهم إلى مؤدبين يختارونهم لتأديب أبنائهم، فإرسال الأبناء للمربين والمؤدبين مهمة لبناء شخصية الإنسان وصقلها.
ولقد كان الإمام الجواد (ع) كما هو الحال بالنسبة لسائر الأئمة (ع) يمارسون التدريس والتربية والتوجيه المباشر لشيعتهم من العلماء وتنمية قدراتهم والوقوف على بناء شخصياتهم في أبعادها المختلفة، بل كانت تربيتهم لشيعتهم بشكل عام، وإن كان لبعض شيعتهم حظوة فيركزون على بعض الشخصيات التي تنبغ في مجال معين فيوجهونهم للتخصص والاستزادة من ذلك المجال.
فأئمة أهل البيت (ع) كانوا يدركون نبوغ وقدرات شيعتهم المقربين، لذلك نراهم يهتمون لتوجيههم للتخصص العلمي المناسب لهم والذي يكونون مبرّزين فيه، فقد ورد عن أبي جعفر الباقر (ع) قوله لأبان بن تغلب:"اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك" [3].
وورد عن الإمام جعفر الصادق (ع) قوله لعبد الرحمن بن الحجاج كما في البحار عن نضر بن الصباح كان أبو عبد الله (ع) يقول لعبد الرحمن بن الحجاج:" يا عبد الرحمن كلم أهل المدينة فإني أحب أن يرى في رجال الشيعة مثلك" [4].
وفي كلام للإمام الصادق (ع) يخاطب به هشام بن الحكم ما يشبه قوله لعبد الرحمن بن الحجاج.
المتابعة المستمرة
إن عملية التربية تحتاج لبذل وقت وجهد ليسا بالقليلين لكون التربية في حد ذاتها عملية معقدة تحتاج للإلمام بالكثير من الجوانب النفسية والتربوية والأخلاقية والدينية، مع ملاحظة أجواء البيئة التي تنطلق فيها العملية التربوية، كما يجب أن يضع في حسابه التحديات كالانفتاح وتعدد وتوفر الكثير من القنوات والروافد التي تسعى لمسخ الشخصية الاجتماعية والأخلاقية والدينية لأبناء الأمة، كما وعليه أن يحيط بمتطلبات العصر الراهن حتى لا يكون خطابه وتوجيهه غريبا وبعيدا عن ملامسة احتياجات أبناء المجتمع.
فالتربية ليست عملية سهلة المنال وإنما تحتاج للكثير من الإطلاع فقد يصرف المربي الكثير من الوقت والجهد في التربية، بيد أن ذلك كله ليس كافيا لإتمام العملية التربوية، فإنها تحتاج متابعة مستمرة لتقويم الشخصية والوقوف على آخر المستجدات والمتغيرات التي تطرأ سلبا أو إيجابا، كما وأنها تدفع المتلقي للاهتمام بسبب الرعاية التي يتلقاها واهتمامهم به.
فهذا الإمام الجواد (ع) لا يغفل عن أمر مرتبط بأصحابه صغيرا كان أم كبيرا إلا ووقف عليه وتابعه بشكل مستمر.
فقد "روي عن دعبل بن علي أنه دخل على الرضا (ع) فأمر له بشيء فأخذه ولم يحمد الله فقال له : لِمَ لَمْ تحمد الله ؟ قال ثم دخلت بعده على أبي جعفر (ع) فأمر لي بشيء فقلت: الحمد لله فقال: تأدبت" [5].
كل ذلك يحتاج لعناية خاصة لتتحقق الأهداف التي نرجوها من التربية، وتحتاج للاهتمام وتحمل المسؤولية بكل صدق وأمانة، وأما إذا تعاطينا معها بشكل سطحي ولم نُعطها أولوية في سلم مهامنا ومسؤولياتنا فإنها ستبوء بالفشل ولا تنتج نتاجها المطلوب.
ومن منطلق ضرورة التربية والإعداد والمتابعة، فإننا بحاجة ماسة لتفعيل ذلك في واقعنا، وإذا كان الأئمة (ع) يؤدون تلك المسؤولية في زمن لم يكن فيه انفتاح كما هو اليوم، ولم تكن فيه المغريات متوفرة بجميع ألوانها وأشكالها والتي اجتاحت العالم فأصبحت تدخل كل بيت لا يمنعها مانع ولا يردعها رادع، منافذها كثيرة ومتعددة، فحري بنا أن نتحمل تلك المسؤولية بشكل مضاعف ومركز، وأن نسعى من أجل تربية وإعداد ومتابعة أبنائنا وبناتنا متابعة مكثفة، هذا ونحن نعيش في بيئة محافظة في الغالب تسودها أجواء التدين النسبي، وتحكمها بعض القيم والأعراف والتقاليد الاجتماعية الموروثة، فكيف بأجواء الانفتاح التي ليس فيها قيود يمكن أن تكون رادعا ووازعا للإنسان عن الوقوع في الخطأ وارتكاب الجريمة سواء أكان في حقه أم حق المحيط به.
الطموح والابتعاث الخارجي
تحكم مجتمعاتنا -وكما قلنا- بعض القيم والمفاهيم الدينية والتي تكون غالبا وازعا يحجز الإنسان عن ارتكاب الخطأ والمعصية، كما أننا نعيش في ظل مجتمع محافظ لوجود الحالة الدينية الحاكمة على الكثير من تصرفات المرء، ولكن ومع كل ذلك إلا أننا نرى ونعي خطورة الحالة التي تمر بها مجتمعاتنا من غياب بعض القيم وعدم وجود الوازع الديني والاجتماعي، مضافا لذلك أننا ندرك مقدار الخواء الفكري والثقافي والديني والأخلاقي الذي بات مستشريا في أوساط شبابنا وفي الساحة الاجتماعية، فتولد من كل ذلك شخصيات مهزوزة غير مستقرة ومضطربة، شخصيات غير واعية ولا مدركة، بعيدة عن القيم الإنسانية.
لقد تحول بعض أبناء المجتمع إلى شباب غير مسؤول، يتصرف وكأنه يعيش بمفرده، لا تحكمه قيم ولا قوانين اجتماعية، قد كثرت في وسطه الجريمة بأنواعها، شباب همّهم النزوع للقوة واستخدام العضلات، وأصبح منطق القوة هو الحاكم على تصرفاتهم، شباب يتباهى بارتكاب الجريمة ويفخر بمنجزاته وما حققه من نجاح، كل ذلك ونحن نعيش في مجتمع مؤمن متدين تسوده أجواء مرتبطة في أغلب أيامها بمناسبات أهل البيت (ع)، بيد أننا لم نستطع أن ننمي الحس الديني والاجتماعي لدى شبابنا، ولم نستطع -على الأقل لحد الآن- السيطرة على بعض القضايا والمشاكل حتى تحول بعضها إلى ظواهر وأصبحت نسبها مطردة.
فإذا كان الوضع الراهن في أغلب مجتمعاتنا ينحو منحى خطيرا في نسبة ارتفاع معدل الجريمة بأنواعها في ظل أجواء محافظة تغلب عليها ثقافة أهل البيت (ع)، ومع وجود المواسم الثقافية المكثفة وفي ظل وجود شبه الرقابة الاجتماعية وإن كانت في أدنى مستوياتها، إلا أننا نلحظ الخطورة في توجهات الشباب اللامسؤولة والتصرفات الخاطئة، فكيف يكون الحال بالنسبة لحياة في أجواء منفتحة لا تحكمها قيم ولا تضبطها ضوابط الشرع والاجتماع وتنعدم فيها القيود ويسودها التحرر وتنعدم فيها الأخلاق، وتدعو للرذيلة، وأجواء وأبواب الفساد والإغراءات مهيأة ومفتوحة على مصراعيها؟!
في مجتمع كهذا كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على دينه وعقيدته وأخلاقه وفكره؟!
مع كل ذلك إلا أننا نرى تسارع وتسابق الآباء قبل الأبناء للحصول على منحة دراسية لأبنائهم وبناتهم، مؤكدين على تأمين المستقبل العلمي والوظيفي لهم، متناسين في ذات الوقت خطورة التواجد في أجواء تحررية بالغة الخطورة، شغلهم الشاغل هو المنحة الدراسية وكيفية الحصول عليها فقط، ولا يفكرون في عواقب ذلك وكأنهم آمنون على أبنائهم من تلك الأجواء التي تسارع بهم نحو الانحراف والفساد.
أنه ليثلج الصدر رؤية هذا الطموح بين أبنائنا وبناتنا، لإكمال دراستهم الجامعية على أعلى مستوياتها، وإننا ندعو ليس فقط أن يكون ذلك لنيل درجة البكالوريوس، وإنما يسعدنا أن يكون الطموح على مستوى الماجستير والدكتوراه، فإننا لا ننكر أن للابتعاث الخارجي إيجابيات لا يمكن أن تتوفر في مثل جامعاتنا، كنوعية الدراسة التي تعتمد أكثر المناهج تطورا، وهي بدورها تساعد على إتقان اللغة، كما لها احترامها واعتبارها عند المؤسسات والشركات الموظفة، ونحن لا نريد أن نستعرض إيجابيات التحصيل العلمي في البلاد الأجنبية خصوصا إذا كان التحصيل الدراسي في جامعات مرموقة وذات مستوى عالمي معروف، وما يهمنا هو الحديث عن سلبيات أجواء الانفتاح التي ترتد على الطالب والطالبة بمردودات خطيرة تنعكس على ثقافتهم وفكرهم وأخلاقهم.
ألا يجب قبل التفكير في الحصول على البعثة والمنحة الدراسية، أن يكون التفكير الجاد في إعداد أبنائنا بالتربية الدينية والأخلاقية، وتحصينهم ضد أي ثقافة تدعو للانحلال والميوعة أخلاقيا وسلوكيا ودينيا وفكريا وثقافيا قبل إرسالهم؟
ما قيمة الشهادة إذا كان الثمن دين الإنسان وفكره وثقافته وقيمه ومبادئه وأخلاقه؟
إن قضايا ومشاكل أبنائنا وبناتنا المغتربين والمغتربات التي نسمع عنها بين فترة وأخرى تدعونا للتفكير الجاد في مصيرهم الديني والأخلاقي والثقافي، فلا يصح أن يكون التحصيل الأكاديمي على حساب الدين والعقيدة والأخلاق، وما مقدار قيمة ما تشكله تلك الشهادة إذا كان الثمن هو دين الإنسان وعقيدته وأخلاقه، فهل بعد ذلك يصبح للسنوات التي قضاها في الغربة أية قيمة على المستوى الديني والأخلاقي؟!
الإعداد والتحصين
فقبل التفكير في الحصول على البعثة الدراسية التي لا يمكن تجاهل قيمتها وأهميتها، هناك أمور أهم بكثير من مجرد الحصول على تلك المنحة، يحتاج إليها أبناؤنا وبناتنا في حياتهم بشكل عام، وليست مرتبطة بالإبتعاث الدراسي على وجه الخصوص، ولكن الحاجة إليها تكون أشد وآكد خصوصا وهم يتوجهون للعيش في بلاد منفتحة بكل ما لهذه الكلمة من معنى، فتلك الأجواء تحتاج لضمانة وصمام أمان يساعد على تجنب المخاطر المهلكة التي تقع في طريق فلذات أبنائنا وبناتنا.
إن أهم ما يتوجه علينا من واجبات هي مسألة الإعداد الفكري والثقافي والديني والأخلاقي لجيل الشباب لكي تصاغ شخصياتهم فكريا وثقافيا وأخلاقيا، ليكونوا في مستوى تحمل المسؤولية بأبعادها المختلفة، فما قيمة نيل الشهادة من جامعات أمريكية إذا كان الثمن دين الإنسان وقيمه ومبادئه وأخلاقه وسلوكه.

-----------------------

[1] العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج75، ص80.

[2] صحيح مسلم، ج1، ص7، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.

[3] المازندراني: المولى محمد صالح. شرح أصول الكافي، ج11، ص84.

[4] العلامة المجلسي. بحار الأنوار: ج2، ص126.

[5] العلامة المجلسي. بحار الأنوار:ج50، ص93.

-------------------------

كلمة الجمعة بتاريخ 12 شوال 1429 هـ. الموافق 3 نوفمبر 2006م.

من نفحات العصمة
صورة عشوائية
ذكرى استشهاد الزهراء ع