سماحة الشيخ يدعو لقراءة سيرة الإمام الصادق (ع) في الشأن الاجتماعي      الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين                                   
{right_ad}
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 1
زوار الموقع 705825

كلمات الجمعة
الواقع الاجتماعي بين الحتمية الاجتماعية وإرادة الفرد
الشيخ صادق الرواغة | 2010-07-01| قراءات [3770]

يعيش الإنسان ضمن مجموعات بشرية تتشكل من خلالها مجتمعات تحكمها قوانين وقيم وأنظمة نابعة من الدين ومفاهيمه أو من خلال الموروث الثقافي والمعرفي والسلوكي والاجتماعي، أو منهما معا وإن كانت بعض القيم في واقعها تتعارض مع بعض أحاكم الدين ومبادئه.
وبما أن الإنسان لا يمكن له الاستغناء عن الاجتماع البشري فهو يعيش في فلكه يدور معه، وبما أن المجتمعات تتشكل من أنسجة اجتماعية وثقافية وفكرية وعقدية وأنماط سلوكية، تسودها قيم وعادات وأعراف تطبع المجتمع بطابع خاص  يميزه عن غيره من المجتمعات الأخرى، فإن الفرد لا يمكن أن يكون خارج ذلك الإطار فلا يتأثر بالنمط السلوكي، وإنما يساهم بشكل نسبي في صياغة شخصيتها وطبعها بطابعه.
فالمجتمع بمنظومته الثقافية والصبغة العامة التي يتسم بها يؤثر في الفرد وتدخل في تشكيل فكر أبناء المجتمع  وتوجهاتهم بشكل أو بآخر، وتنعكس عليهم سلبا أو إيجابا.
وهنا نتساءل: هل أن تأثير الأجواء الاجتماعية العامة بالعادات والأعراف والأنماط السلوكية ونحوها حتمي لا يملك الفرد إزاءه خيار الرفض والممانعة، فيسلبه إرادته؟ أم أن للفرد حرية الاختيار والإرادة وله الرفض أو القبول؟
الحرية ودعوة الأنبياء للدين
إن رسالات السماء قائمة على مبدأ الحرية الشخصية، كما تدل عليه آيات القرآن الكريم، وهي دليل قوي على حرية الفرد وإرادته واختياره، يقول تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} [1].
ويقول أيضا:{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} [2].
ويقول كذلك:{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [3].
ويقول أيضا مثبتا المشيئة والإرادة الإنسانية:{لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [4].
وهذه الآيات تدل بظاهرها على أن الإنسان له حرية الإرادة في قبول الدين أو رفضه، لا يمارس عليه الجبر والإكراه للإيمان بالرسالات السماوية ودعوة الأنبياء (ع).
الحرية أساس التكليف
من الأصول الدينية "المعاد" كمبدأ يجب الإيمان به، ومفاده أن هناك معادا بعد الموت يقوم فيه كل البشر ليوم الحساب، الذي يثاب فيه المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته، فيدخل أولئك الجنة، ويزج بهؤلاء النار.
والحساب لا يكون إلا من خلال وجود حرية إرادة لدى الإنسان، على ضوئها يمكن له الاختيار، فلو كان مجبورا على أمر، لبطل حينها الحساب، بل لبطل التكليف من رأس فلا مجال للحساب حينها، إذ أن التكليف قائم على حرية الإرادة فلو افتقدت افتقد معها التكليف.
فالله سبحانه وتعالى لا يفرض على الإنسان أمورا معينة، وإنما يوضح له السبل ويهديه النجدين، ثم يدع الخيار بيده ليختار ما يريد، وعلى ذلك فالإنسان حر وبالتالي فهو مسؤول عن كافة تصرفاته وهذه علة تكليفه، ومحاسبته في يوم القيامة.
يقول تعالى:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [5].
ويقول تعالى في آية أخرى:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [6].
فالله سبحانه وتعالى قد جعل للإنسان حرية الاختيار حتى في الإيمان بالدين والعقيدة، ولا يقبل من أحد أن يمارس الجبر والإكراه على أحد كي يؤمن، حتى الأنبياء والرسل (ع).
الفرد والحتمية الاجتماعية
لعلماء الاجتماع ثلاث نظريات فيما يرتبط بالعلاقة بين الفرد كجزء ضمن التركيبة الاجتماعية والمجتمع كوحدة واحدة:
الأولى: أصالة الفرد.
بمعنى أن الفرد هو كل شيء في المجتمع، وهو العامل الحاسم في تحرك التاريخ ولذلك ينبغي الاهتمام بالمجتمع من حيث هو أفراد لا من حيث كونه مجتمعا.
وهذه النظرة لا تذعن بوجود حقيقي  للمجتمع ككل، ولا بتركيب واقعي بين الأفراد كمجتمع.
الثانية: أصالة المجتمع.
أي أن الفرد لا قيمة له إطلاقا فهو أشبه ببرغي صغير في ماكنة المجتمع، وهذه النظرية تتمسك بالحتميات الاجتماعية، وترى بأن حركة المجتمعات وتطوراتها نابعة من أنظمة عامة يخضع الأفراد لسلطانه، فلا يملكون أن يواجهوها أو يغيروا منها شيئا إذا ما رأوا أنها تقودهم في الاتجاه الخاطئ.
الثالثة: أصالة الفرد والمجتمع معا.
التي يؤيدها الإسلام وتقوم أنظمته وشرائعه عليها فهي تقف في الوسط بين النظريتين السابقتين وهي تعطي للفرد أهميته اللائقة، كما تعطي للمجتمع دوره المؤثر وتنظيم العلاقات بينها بشكل دقيق متوازن.. فالمجتمع يؤثر في الفرد والفرد بدوره يؤثر في المجتمع، إنها: لا تسلب من الفرد إرادته ولا تحرم المجتمع من تلك القوانين والأنظمة الديناميكية التي تعطيه الوقود المناسب في مسيرته الحضارية التكاملية.. [7].
فالإسلام يؤصل للحرية والاختيار والإرادة الفردية، وهذا ما تنطق به آيات القرآن الكريم في حديثها عن الأقوام السابقة والتي لم تؤمن بناءً على الموروث الثقافي والفكري والعقدي والذي يشكل النمط الاجتماعي حينئذ، معللين لعدم إيمانهم بما ورثوه من أسلافهم وآبائهم، كما وانه يتضمن قولهم بالجبرية الاجتماعية مقابل الإرادة الفردية، بقوله تعالى:{بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [8].
ويقول أيضا في آية أخرى:{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [9].
وفي آية أخرى ينفي سبحانه وتعالى الجبرية الاجتماعية في قبال الفردية، وان ليس هناك عذر لمن ارتضى الخنوع أمام التأثير الاجتماعي واحتج عليهم بعدم قبول هذا العذر الذي يريدون من خلاله توضيح كونهم مجبورين أمام مقتضيات المجتمع بقوله:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [10].
فقد عبّروا بكونهم مستضعفين في الأرض ويعنون بذلك كونهم مجبرين لا يملكون حيلة ولا وسيلة أمام إرادة المجتمع ومقتضياته، ولكن الله تعالى ينكر عليهم عذرهم، ويقول لهم كان بإمكانكم التخلص من ذلك بهجرتكم وابتعادكم عن مجتمع لا يقيم وزنا لحدود الله تعالى.
هذا منطق من يعيش التأثر بالنمط الاجتماعي ولا يرى لإرادته أدنى تأثير على منهجهم وسلوكهم، بل يرى نفسه مرغما وخاضعا أمام إرادة الاجتماع، كما ويرى بأن لها قدرة تفوق قدرته، فلا يستطيع التخلص من حبائلها وقيودها، وهذا المنطق إنما كان لضعف إرادتهم ورضا أنفسهم بما يدور في المجتمع.
تعاليم القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت G كلها تؤكد على مسؤولية الإنسان بالنسبة إلى نفسه وإلى مجتمعه أمام المنكر وما يطرأ على المجتمع من أحداث سلبية، كما وأنها تشير إلى كون الفرد مختارا أمام تلك الأحداث، وعليه أن يعلن عصيانه أمامها، لا أن يسير في تيارها بحجة قهرها لاختياره.
ففي أكثر من آية يوضح القرآن الكريم منطق من يؤمن بالحتمية والجبرية الاجتماعية بمختلف الأساليب.
فيقول تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [11].
ويقول في آية أخرى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [12].
ولقد اشتهر عن أئمة أهل البيت (ع) قولهم:"لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين" [13].
فالتأثير يكون من الجانبين الفرد والمجتمع على بعضهما البعض، ولكن لا بمعنى الجبر في ذلك، فعند الطرفين قابلية التأثر، وإمكانية التأثير.
إن القرآن الكريم يذكر لنا نماذج من عصيان الفرد لأجواء الفساد والانحراف الاجتماعي في كثير من القصص التي سردتها آيات الكتاب العزيز، ككل الأنبياء والرسل، وبعض المؤمنين والأولياء كمؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف.
فعلى الإنسان أن يكون شاهدا على المجتمع، حاضرا متيقظا دائما أمام ما يعصف به من مشاكل وفساد، وأجواء سلبية وأنماط ثقافية خاطئة تقوده نحو الانحدار والهاوية، لا أن يشل حركته بيده وإرادته متذرعا بحجة التأثير الجبري على إرادته واختياره.
يقول أمير المؤمنين (ع):" كن في الناس ولا تكن معهم" [14].
الإنسان مختار بالفطرة
إننا وكبشر نستشعر في وجداننا كوننا أحرارا نمتلك إرادة من خلالها يمكن أن نختار بين خيارات متعددة، وهذا ما نلمسه بتنوع الخيارات المتاحة، فالاختيار والإرادة نلمسها حتى لدى أطفالنا عندما توضع أمامهم خيارات متعددة، فيأخذون ما يريدون ويرغبون ويتجنبون ما لا يريدون.
فالفرد ليس مجبورا أو مسلوب الإرادة والحرية إزاء الاجتماع، وإن كان المجتمع له قدرة غالبة على قدرة الفرد، إلا أن ذلك لا يستلزم الجبر في الأمور الاجتماعية الإنسانية.
ولو أننا قبلنا وسلمنا بأن إرادة المجتمع تسيّر الفرد ولا يمكن له التخلص من قيودها وأسرها، لبطل الحساب بحق الفرد لكون إرادته مسلوبة إزاء الاجتماع، لذلك يقول تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [15].
فكل إنسان مرهون بعمله الذي إنما صدر منه بإرادته واختياره لا بإرادة المجتمع واختياره، فلا يصح محاسبة المرء وفق إرادة الآخرين.
يقول أيضا:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [16].
نعم؛ لابد من التفريق بين حرية الإرادة من جانب وقوتها وضعفها من جانب آخر:
فالأول: هو أن يريد أو لا يريد.
والثاني: أن يفعل أو لا يفعل، فهنا الإرادة متوفرة ولكن الحديث في قوتها وضعفها، فإن فعل فهي قوية وإن لم يفعل فإرادته ضعيفة، في كلا الجانبين الإيجابي والسلبي الفعل أو فعل النقيض.
الإنسان مسؤول
يؤكد الإسلام على ضرورة اتخاذ الإنسان موقفا إيجابيا من الحياة والمجتمع ويحارب السلبية في نفسه وفي غيره، لا أن يسير على خطى السائد حتى وإن كان سلبيا، بل عليه أن يتخذ المواقف الحازمة أمام الظواهر الاجتماعية السلبية، وأن يكون ذا شخصية قوية مؤثرة ومستقلة في اتخاذ القرارات ومخالفة للجو العام إذا كان سلبيا.
ففي أعطاف القرآن الكريم ترد الكثير من الآيات الدالة على مسؤولية الإنسان الشخصية أمام التكاليف وأمام مسلكه وعمله الذي يرتضيه ويسلكه، وله ثواب عمله وعليه عقاب ذنبه كشخص وفرد يتحمل مسؤولية فعله واختياره.
يقول تعالى:{فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [17].
ويقول أيضا:{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ{وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [18].
هكذا تتعامل الآيات المباركة مع الحرية الفردية، فتحمل الفرد المسؤولية أمام المتغيرات والأحداث الاجتماعية، فهي لا تقبل منه اعتذاره، ولا تبرر له سلوكه ومنهجه أمام المتغيرات الاجتماعية، بل تحمله مسؤولية ما يصدر منه من تصرفات وسلوك كفرد يستطيع أن يرفض ويثور على النمط الاجتماعي الخاطئ.
ولولا امتلاك الإنسان حرية الإرادة لما انبعث المصلحون في كل زمان ومكان من وسط مجتمعاتهم متحملين مسؤولياتهم، رافضين المنهج الخاطئ، والعادات المتبعة، محاولين تعديل السلوك الاجتماعي، من خلال بث ثقافة فردية واجتماعية مسؤولة تجاه كل سلبية تطرأ على المجتمع.
هناك من أبناء المجتمع من يسير وفق الأجواء السائدة معللين ذلك بأنه الجو العام، وهكذا الناس تفعل، فكيف نخالف ما انتهجه أبناء المجتمع، وماذا يقول الناس عنا؟ وهذا عرف اجتماعي، أو هذه هي الموضة الدارجة في هذه الأيام، و..و..و إلى آخر القائمة التي تطول؟!
وهذه المقولة قد تصدر بشكل إرادي مباشر وسلوك نمطي يرى الإنسان نفسه أنه مقيدا به، لا يستطيع التخلص من حبائله، فيتفاعل معه إراديا بحجة عدم مخالفة العادات الاجتماعية المتبعة، وقد يكون للجو العام تأثير مع غياب دور العقل والتفكير والتغافل عن الإرادة ، بمعنى أنه يسبح مع الأمواج الاجتماعية من دون أدنى تفكير أو تأمل، وإنما يسّلم نفسه لتيار المجتمع وما فيه من أخطاء لاغيا شخصيته مسلما زمام قيادته للسائد.
مسخ الشخصية
يركز الإسلام كثيرا على أهمية بناء شخصية الفرد المسلم في أبعادها التكاملية، في البعد العقدي والفكري، وفي البعد الإيماني، وفي البعد العلمي والمعرفي، وفي البعد الأخلاقي والسلوكي، وفي البعد الاجتماعي وغير ذلك، لكي تخطو شخصية المسلم في طريق تكاملي مستمر، مع أهمية بناء شخصية مستقلة ذات خطوط واضحة المعالم، محكمة البناء، قوية في إرادتها، لا أن تكون شخصية هشة لينة تميل مع كل ريح لم تستضئ بنور العلم ولم تهتد إلى ركن وثيق.
ورد عن الرسول (ص) قوله:"لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن لا تظلموا" [19].
فعلى الإنسان أن يوطن نفسه ويعمل إرادته في اتخاذ القرارات ومتابعة الأجواء الاجتماعية، فما كان سليما جيدا فعليه اتباعه، وما كان سلبيا خطئا وجب عليه اجتنابه، لا أن يلغي شخصيته تماما ويسير مع الأجواء السلبية متغافلا.
وقد روى الفضل عن أبي الحسن موسى (ع) قوله في من يتابع كل أحد وفق رأيه وهواه ولا رأي له أمام ذلك، قال: قال لي:"أبلغ خيرا وقل خيرا، ولا تكونن إمعة، قال: وما الإمعة؟ قال: لا تقولن: أنا مع الناس، وأنا كواحد من الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أيها الناس إنما هما نجدان: نجد خير، ونجد شر، فما بال نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير" [20].
فالإنسان الذي يسير مع الجو الاجتماعي السلبي هو في حقيقته فاقد لشخصيته ماسخا لها، يسير على غير هدى ولا بصيرة، كقشة في موج بحر متلاطم تقذفه مرة ذات اليمين ومرة ذات الشمال، أو كريشة طير تتلاعب بها تيارات العواصف فلا تستقر على حال.

-----------------

[1] يونس/108.
[2] الكهف/29.
[3] البقرة/256.
[4] التكوير/28.
[5] الإنسان/3.
[6] البلد/10.
[7] للتوسع في ذلك يمكن مراجعة: المدرسي: السيد محمد تقي. المجتمع الإسلامي منطلقاته وأهدافه. ص19-20. دار الجيل بيروت-لبنان. 1403هـ. 1982م.
[8] الزخرف/22.
[9] الزخرف/23.
[10] النساء/97.
[11] البقرة/170.
[12] المائدة/104.
[13] الشيخ الصدوق. الهداية، ص18.
[14] موسوعة أحاديث أمير المؤمنين علي A. اللجنة العليا للتحقيق في بنياد نهج البلاغة. مكتبة أهل البيت G.
[15] المدثر/38.
[16] الطور/21.
[17] الأنبياء/94.
[18] الزلزلة/7.
[19] الريشهري: محمد. ميزان الحكمة:ج3،ص262.
[20] العلامة المجلسي: بحار الأنوار، ج2، ص21.

-----------------

كلمة الجمعة بتاريخ 10 ربيع الثاني 1431هـ. الموافق 26 مارس 2010م.

من نفحات العصمة
خَالِطُوا
النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ.الإمام علي (ع)
صورة عشوائية
ذكرى استشهاد الزهراء ع