سماحة الشيخ يدعو لقراءة سيرة الإمام الصادق (ع) في الشأن الاجتماعي      الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين                                   
{right_ad}
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 4
زوار الموقع 711051

كلمات الجمعة
السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة
الشيخ صادق الرواغة | 2011-07-06| قراءات [5065]

استطاع الإسلام بقيمه وتعاليمه أن ينتشل المرأة من مستنقع التخلف والجهل والظلم والاضطهاد، ليضعها في مكانتها التي أرادها الله لها، بعد إن كانت تعيش حالة الضعف والقهر والتهميش الذي مارسه عليها إنسان عصور الجهل والظلام، فأبرز لها مكانة مرموقة، وجعلها في مصاف الرجل، في تساوي وشراكة الأدوار الاجتماعية.
والحديث عن أهمية دور المرأة في المجتمعات البشرية ينطلق من خلال مناصفة المرأة للرجل أو تزيد قليلا عليه في نسبة بناء المجتمعات الإنسانية، حيث أن المرأة ربما تفوق الرجل كثرة، أو تساويه في العدد.
ولكون المجتمع يتكون من قطبين مهمين وهما المرأة والرجل، فلا بد من القيام بجهود استثنائية يتطلبها البناء الاجتماعي يرتكز على أسس سليمة في تطوره ونموه، فهناك أدوارا عدة تتوزع على شرائح المجتمع لينهض كلٌ بدوره المطلوب على أفضل وجه بما يصب في تحقيق الأهداف المتوخاة.
ولو سبرنا أغوار التاريخ الإنساني، لرأينا نماذج نسائية قد بلغن المجد والسمو والرفعة، بتحملها المسؤولية الاجتماعية، وبأخلاقها وعفتها، وبدورها المميز في عملية الحراك الاجتماعي والثقافي والفكري.
وإذا كانت المرأة كما أسلفنا أحد أهم أعمدة البناء الاجتماعي، فذلك يعني أهمية دورها في عملية الإصلاح الاجتماعي لا يقل أهمية وخطورة عن دور الرجل، إذ أن دورها يتمحور في جانبين:
الجانب الأول: الدور الداخلي.
ويتمثل في دورها داخل أسورة البيت، فهي مسؤولة عن البناء الداخلي لأسرتها، كما هي مسؤولة عن تربية الأسرة والحفاظ عليها، وبث ونشر الأخلاق والعفة في وسطها.
يقول تعالى في سورة الأحزاب آية(33):{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
الجانب الثاني: إصلاح المجتمع.
بما أن المرأة تناصف الرجل في الوجود الاجتماعي، فذلك يعني أن قدرا من المسؤولية يقع على عاتقها، فهي من الناحية العددية مسؤولة، فلو أقصي دورها أو نأت بنفسها أو تهاونت في أداء مهامها، فذلك يعني شل الحركة الإصلاحية، أو تعطيلها أو نقصانها، وكل ذلك يؤثر في عملية النهوض والتقدم.
ثم أن الأجيال الآتية إنما يكونون في أحضان المرأة، يتطبعون بطبائعها وأخلاقها وسلوكها وفكرها وثقافتها وعفتها وتدينها وإيمانها، كل ذلك ينعكس ضرورة على من يتربى في حضنها.
لذلك؛ لا يمكن التنكر لأهمية دورها وخطورته سواء في وقتها الراهن أم على مستوى الأجيال القادمة، لقدرتها على التأثير.
وإذا كنا نطمح أن تتحمل المرأة مسؤوليتها الإصلاحية على الصعيد الاجتماعي في جوانبه المختلفة في كلا الجانبين: الداخلي الأسري، والخارجي المجتمعي، فنحن بحاجه لرسم الخطوط العامة لمهامها ومسؤولياتها، ولابد في ذات الوقت أن نركز على ضرورة الحديث عن إيجاد المؤهلات والقدرات والمقومات لتقوم بمهمتها في عملية الإصلاح.
إن كل وظيفة ومهمة تحتاج لنوع خاص من المؤهلات والمقومات لابد أن يتحلى بها المرء، لكي يتمكن من إنجاز مهمته ووظيفته على أتم وجه ممكن، أما إذا لم يكن يمتلك أي مقوم من مقومات الوظائف، فلا يمكن تحقيق النجاح المرجو، والوصول للنتائج متقدمة من عملية الإسناد تلك.
فما هي المقومات التي يتطلبها دور المرأة في عملية  الإصلاح الاجتماعي؟
الأول: إصلاح المرأة نفسها.
أن تكون المرأة نفسها صالحة، لتكون أسوة حسنة وقدوة طيبة لبنات جنسها، فلا يمكن إصلاح الغير إلا بإصلاح الذات.
كل شخص كما يمتلك بعض الصفات الحسنة، فهو كذلك لديه بعض الصفات السيئة، والسلوك الخاطئ، والمشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود بعض الصفات السيئة، ولكن المشكلة هي الإصرار عليها، وعدم السعي من أجل اقتلاعها أو الحد منها.
فمن يريد ممارسة التغيير على الآخرين، عليه أن يمارسه على نفسه، فإن سنة التغيير الإلهية تعتمد على الجد في طلب التغيير والعمل الجاد في سبيل ذلك.
يقول تعالى في سورة الرعد، آية(11):{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}.
فالمرأة معنية بممارسة التغيير والإصلاح على نفسها لضمان الإصلاح الاجتماعي والأسري وأن تكون قدوة للأخريات.
ولكي تصل المرأة إلى الإصلاح لا يكون إلا بالعلم والمعرفة.
الثاني: التسلح بالعلم والمعرفة.
ولدور المرأة المهم ومكانتها عليها أن تسعى لطلب العلم وتثقيف ذاتها دينيا وفكريا وثقافيا وتربويا واجتماعيا وأخلاقيا، وأن تبذل قصارى جهدها ووقتها في الأمور النافعة التي تعود عليها وعلى محيطها ومجتمعها بالخير.
إن عملية الحراك إذا كانت تعتمد على قطبي المجتمع فلا يحسن بالمرأة أن تضيع جل وقتها في أمور تافهة وهامشية وسطحية، بل عليها أن تعي أن بالعلم يكون الإنسان حيا، كما أن عملية التربية التي تناط بها تحتاج منها أن تزود نفسها بسلاح العلم والمعرفة.
فتكون شريكة في عملية الحراك الثقافي والمعرفي، وأن تمتلك القدرة على تقييم ما تتلقاه من معارف ومعلومات من وسائل الإعلام المختلفة، فإن للمادة المطروحة على وسائل الإعلام تأثير بالغ على ثقافتنا وقيمنا ومبادئنا وعادتنا وأعرافنا، حيث أن الأغلب من النساء والرجال يتلقى ما يطرح حتى على مستوى المسلسلات والأفلام بالقبول والرضا، فباتت بعض المفاهيم الخارجة عن روح الإسلام سارية في أوساطنا بشكل ملحوظ خصوصا على مستوى المرأة، إذ أنها أكثر من غيرها جلوسا عند شاشات التلفاز فتنطبع تلك الأفكار المحمومة والمسمومة المعروضة بشكل جذاب ضمن ثقافتها وفكرها.
الثالث: حسن التربية.
وأن تتحلى بالعفة وعدم الابتذال، وحفاظها على رزانتها وجدية شخصيتها أمام الآخرين، أما الابتذال واستعراض القوام والمفاتن أمام الرجال، فهو مناف للعفة والحشمة والطهارة، وعليها بالتقى، وحسن الأخلاق والسلوك، والابتعاد عن الرذيلة بأنواعها، وأن تنأى بنفسها عن كل شبهة، وأن تتعامل مع القضايا الدينية بكل جد وصرامة.
فالمرأة ولكونها قريبة في بيتها لصيقة لمحيطها، فإن أخلاقها تنعكس عليهم وعلى أبنائها وبناتها، فكل شيء تفعله من سلوك عليها أن تتيقن أن سلوكها وأخلاقها ومفاهيمها تنعكس عليهم.
شخصيات من التاريخ
لقد كان للمرأة دور مهم في عصر الإسلام، حيث رأينا مساهماتها في مختلف الميادين، كانت متواجدة في ساحة المعركة، والساحة الاجتماعية، والعلمية وغيرها، لم تتغيب أبدا، ففي سوح الوغى كانت نسيبة المازنية أم عمارة وموقفها المشرف في واقعة أحد، وفي ساحة العلم والمعرفة، فقد قدم نساء المسلمين على رسول الله (ص) فطلبوا منه أن يخصص لهن يوما يأتين فيعلمهن الدين وهكذا في مختلف الميادين.
فهذه زينب (ع) وهي ألمع أنموذج وأعظم شخصية بعد السيدة الزهراء (ع)، وما قامت به من دور مهم قبل وأثناء وبعد معركة كربلاء الدامية، فقد كانت مجاهدة صابرة.
وفي حسن أخلاقها وعفتها، يحدثنا عنها يحيى المازني فيقول:كنت في جوار أمير المؤمنين في المدينة مدة مديدة، وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصا ولا سمعت لها صوتا، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدها رسول الله تخرج ليلا والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها وأمير المؤمنين (ع) أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين (ع) فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن (ع) مرة عن ذلك فقال (ع): أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك زينب [1].
قد يقول قائل أن الحياة قد تطورت وأصبح الانفتاح طابعها العام، وبالتالي ما يمكن أن يكون في الماضي، لا يمكن أن يكون اليوم، بسبب التطور والتقدم الذي نلحظه في كل جانب من جوانب الحياة، فلا يمكن تطبيق ذلك في حاضرنا؟
ويرد على ذلك: أن القيم والمبادئ تبقى كما هي، فقيمة العفة تبقى بمعناها لا يتغير بمرور الزمان أو اختلاف المكان، فالقيمة الإسلامية تبقى قيمة إسلامية لا تتغير بحال من الأحوال، ووجب الستر والحجاب، وحرمة الابتذال وعرض المفاتن على الأجانب، كما كانت محرمة في السابق فهي كذلك اليوم، فالدين لا يتجزأ.
يقول تعالى في سورة الأحزاب آية 59:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}.
جاء في تفسير"علي بن إبراهيم" في سبب نزول الآية:فإنه كان سبب نزولها أن النساء كن يخرجن إلى المسجد ويصلين خلف رسول الله (ص) وإذا كان بالليل خرجن إلى صلاة المغرب والعشاء الآخرة والغداة، يقعد الشبان لهن في طريقهن فيؤذونهن ويتعرضون لهن فأنزل الله: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين -إلى قوله- ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما. ومن أجل الوقوف أمامه سلكت طريقين : فأمرت المؤمنات أولا أن لا يدعن في يد المفسدين والعابثين حجة يتشبثون بها في سبيل تحقيق أذاهم، ثم هاجمت المنافقين ومختلقي الإشاعات وهددتهم بتهديد قل نظيره في آيات القرآن. فتقول الآية في الجزء الأول : يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين. هناك رأيان لدى المفسرين في المراد من "المعرفة" لا يتناقضان: الأول: أنه كان من المتعارف ذلك اليوم أن تخرج الجواري من المنازل مكشوفات الرأس والرقبة، ولما لم يكن مقبولات من الناحية الأخلاقية، فقد كان بعض الشباب المتهور يضايقوهن، فأمرت المسلمات الحرائر أن يلتزمن الحجاب التام ليتميزن عن الجواري، وبالتالي لا يقدر أن يؤذيهن أولئك الشباب. ومن البديهي أن هذا الكلام لا يعني أنه كان لأولئك الطائشين حق أذى الجواري، بل المراد سلب الحجة من الأفراد الفاسدين. والآخر: أن الهدف هو أن لا تتساهل المسلمات في أمر الحجاب كبعض النساء المتحللات والمتبرجات المسلوبات الحياء رغم التظاهر بالحجاب، هذا التبرج يغري السفلة والأراذل ويلفت انتباههم [2].
فعلى المرأة أن لا تتيح أدنى فرصة للتحرش بها، وفتح الباب أمام الطائشين للتعرض لها من خلال الغنج أو الابتذال.
وعليها أن تربي نفسها على حسن الأخلاق، وأن لا تتيح المجال لنفسها فترتكب الذنوب والمعاصي، متهاونة في المحظورات والمحرمات.
زينب المرأة القدوة
فالمرأة القدوة كانت حاضرة متواجدة دائما، ولكن الإشكالية هي في المرأة اليوم، وفي نظرتها للنساء العظيمات الآتي تركنا بصماتهن واضحة في التاريخ الإسلامي، فبالنظر لشخصية المرأة العظيمة زينب (ع) يتوجه سؤال للمرأة:
هل تنظر لزينب (ع) بكونها شخصية تاريخية عابرة بصفتها الدينية وكفى، أم تنظر إليها باعتبارها شخصية ملهمة، تمثلت فيها القيم والمبادئ، فتجعلها نصب عينها في كل خطوة تخطوها في حياتها؟
إن الكثير منا -رجالا ونساء- ينظرون للشخصيات العظيمة التي سطرت أروع الأمثلة في أصعدة الحياة المختلفة، وتحملت مسؤولياتها أمام دينها وأمتها ومجتمعها، على أنها شخصيات تاريخية عابرة، قد تحلت ببعض الصفات التي نتغنى بها، ولا يعنينا استلهام تلك القيم والمبادئ التي بذلوا لأجل تحقيقيها الغالي والنفيس مضحين بما يمتلكون في واقع الأمة.
ونحن نعيش مولد المرأة العظيمة السيدة زينب (ع) بطلة كربلاء، لابد أن نقف عندها، لنستلهم منها الدروس والعبر، فلم تكن بنت علي (ع) امرأة عادية، تعيش على هامش المجتمع، بل كان لها دور مهم في الحركة الدينية، قد تحملت مسؤوليتها على أتم وجه، حيث أنيطت بها مهام قلما يتحملها رجل، فقد كانت زينب العظيمة أكبر من أي مهمة ومسؤولية، استطاعت أن تحافظ على قيم ومبادئ كربلاء، أوصلتها إلينا سليمة نقية، وقد سطرت أروع المواقف في كربلاء، وفي الكوفة، وفي الشام وفي المدينة المنورة بعد مقتل أخيها الحسين (ع).
إن السيدة زينب (ع) تحلت بصفات المرأة التي تعي قيمتها ومكانتها وتدرك أهميتها ومهمتها، وبالرغم من كل ما جرى عليها من محن وتجرعته من آلام، إلا أنها سعت جاهدة في ترسيخ دعائم شخصيتها في أبعادها المختلفة.
زينب العابدة
لقد اتسمت شخصيتها المباركة بالانقطاع لله تعالى، وقد اقتفت في ذلك أثر أمها فاطمة الزهراء (ع)، في عبادتها ونسكها وتبتلها وتوكلها على الله وتسليم أمرها له سبحانه وتعالى.
فقد ورد كما في كتاب ليلة عاشوراء في الحديث والأدب للشيخ عبد الله الحسن:"عن مولانا السجاد (ع) أنه قال: إن عمتي زينب مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت نوافلها الليلية.. وأن الحسين (ع) لما ودع أخته زينب (ع) وداعه الأخير قال لها: يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل. وفي مثير الأحزان للعلامة الشيخ شريف الجواهري قدس سره: قالت فاطمة بنت الحسين (ع) وأما عمتي زينب (ع) فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة أي العاشرة من المحرم في محرابها تستغيث إلى ربها ، فما هدأت لنا عين، ولا سكنت لنا رنة"[3] .
فعبادتها لم تكن عبادة بدون علم ومعرفة، وإنما كانت عبادة عالمة فقيهة عارفة، كما أنها تعاملت مع العبادة بمعناها الإيجابي، وليس بشكل سطحي وقشري، وإنما تعاملت معها على أنها المحرك والدافع لأية عملية أو حراك ونشاط.
والعبادة تعني الخضوع المطلق والطاعة والتذلل لله عز وجل، وهي حق الله على العباد، وفي الشرع هي الواجبات كالصلاة والصيام والحج والدعاء وسائر العبادات الأخرى، وتمثل العبادة الرابط والصلة بين العبد وربه، كما أنها تشعر الإنسان بالضعف والحاجة والفقر، وهي أيضا مدرسة تربوية روحية للإنسان، تهذب أخلاقه وتروض نفسه الجموح، إذا تعامل معها بشكل إيجابي، حيث لها مفهومان:
المفهوم الأول: مفهوم كمي عددي.
فيكثر من العبادات ويركز على أداء المستحبات والمندوبات، محاولا زيادة رصيده منها، ولكن يتعامل معها بشكل سلبي، لا ينظر إلى تحقيق الغاية منها، كما أنه يتعامل معها باعتبارها واجبا من الواجبات على المكلف أن يرتاح منها بأدائها لكي لا تبقى في عنقه.
فليست العبرة بكثرة الصلاة والصيام وسائر الأعمال الأخرى، وإنما العبرة بانعكاس آثار العبادة على الإنسان.
"جاء رجل إعرابي إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله ، ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ قال:(خمس صلوات) فقال: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تتطوع شيئا) فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:( أفلح الرجل إن صدق)"[4] .
المفهوم الثاني: مفهوم نوعي كيفي. وهو أن يتعامل مع العبادة بكونها مدرسة تربوية روحية تساعد الإنسان ليصل للتقوى التي هي غاية العبادة وهدفها، فيستفيد لتربية نفسه، ويستفيد منها باعتبارها محطة تزود بالوقود الدافع للأمام.
ورد عن أمير المؤمنين (ع) قوله لكميل بن زياد:"يا كميل ليس الشأن أن تصلي وتصوم وتتصدق، الشأن أن تكون الصلاة بقلب نقي وعمل عند الله مرضي، وخشوع سوي، وانظر فيما تصلي، وعلى ما تصلي، إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول"[5] .
فالرواية تركز على أن المقصود من العبادة بأنواعها هو آثارها وما تفعله في النفس.
ليس المهم الانكفاء على العبادات مع عدم تفعيل دورها في حياة الفرد والمجتمع، وإنما المهم هو أن تأخذ العبادة دورها المرجو منها في واقع الفرد والأمة، كما تبين ذلك الرواية المتقدمة عن أمير المؤمنين .
زينب العالمة
معرفة عظماء التاريخ والأمم بالبحث عن سرّ وأبعاد العظمة فيهم، وحينما نقف عند شخصية بطلة كربلاء السيدة زينب (ع)  ندرك أن ما عرف عن شخصيتها الفذة مرتبط بمأساة كربلاء، ولكن هناك عناصر أخرى نقرأها في شخصيتها لا تقل أهمية عن غيرها من العناصر، فقد تميزت (ع) بغزارة علمها، كيف لا وهي التي ربت في حضن فاطمة الزهراء (ع)، وباركها النبي الكريم (ص)، ودرجت في حجر أبيها أعلم الناس بعد رسول الله (ص)، وعاشت مع أخويها الإمامين العظيمين، فلا غرو أن تتخرج بطلة كربلاء كما قال في حقها ابن أخيها زين العابدين (ع):"..أنت عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة" [6].
والمتأمل لخطبها التي ألقتها في الكوفة والشام يلحظ غزارة علمها وعميق فهمها، وبلاغتها وفصاحتها، فقد حوت كلماتها معان متينة وعميقة وحجج بالغة.
كيف لا وقد نهلت من نمير العلم والمعرفة حتى أصبحت تفرغ عن منطق أبيها علي بن أبي طالب (ع)، وخطبها وفصاحتها وشجاعتها تشهد على ذلك، وحين يغيب الإمام الحسين  عن المدينة المنورة، كانت هي المرجع، كما أنها كانت مرجع نساء أهل الكوفة، يأخذون عنها معالم الدين ويسألونها عن أمورهن الشخصية، وكانت تفسر القرآن الكريم، وروى عنها ابن عباس وكان يفتخر بروايته عنها، ويقول:"حدثتنا عقليتنا زينب".
زينب الصبر والشجاعة
إن المرأة تمتاز برقة المشاعر، وشفافية العواطف، هذه هي طبيعة المرأة، ولكن السيدة زينب  استقبلت الحياة بأعباء الرسالة وهمومها ومشاكلها، التي كلفت الكثير من التضحيات، فشاركت بكل جدارة في تحمل المسؤوليات الجهادية، ولم تكن كربلاء مجرد حدث عابر في حياتها، وإنما كانت عنونا للعديد من المواقف التي امتازت بها (ع)، لمخاطبة ضمير الأمة لعلها تستنقذ ما تبقى من تلك العقول التي تلوّثت من تتابع الأحداث وابتعاد الأمة عن الدين وقيمه ومبادئه، مقدمين المصلحة وملذات الدنيا.
ولقد كان لخطابات السيدة العظيمة بعد منعطف كربلاء الأثر البالغ في حفظ النهضة الحسينية وحمايتها وإيصال صوتها إلى أصقاع العالم الذي استفاق على صوت زينب وهي تحاول إيقاظه من سباته.
وكانت أبرز تلك المحطات في كربلاء ثم الكوفة ثم الشام ثم المدينة المنورة عند رجوع السبايا إليها بعد رحلة عناء وذل ومهانة.
فالدور البارز في تلك المرحلة كان يرتكز على الجانب الإعلامي في تثبيت مبادئ وقيم وأهداف كربلاء في وجدان الأمة، وفي فضح الحكم الأموي الذي اعتمد سفك الدم الطاهر لتثبيت أركان عرشه، وفي نشر وبث مظلومية أهل البيت (ع).
كل تلك المواقف التي واجهتها (ع).. في كربلاء أمام الجيش الغاشم مخاطبة عمر بن سعد، وتجلا صبرها وشجاعتها حين رفعت جثمان أخيها الحسين (ع) وهي تراه مقطع الأوصال مهشم الأعضاء بكل صبر وثبات قائلة: اللهم تقبل منا هذا القربان، وفي الكوفة أمام عبيد الله بن زياد، وفي الشام أمام يزيد بن معاوية، واجهته بقوة وشجاعة، وفضحته في قصره وبين حاشيته وحشمه.
وفي الختام؛ لا يسعنا إلا أن ننحني إجلالا لهذه الشخصية العظيمة التي سطرت أروع الأمثلة باكتمال شخصيتها ونضجها، وما ذكرناه من صفاتها وملامح شخصيتها، إنما هو غيض من فيض.
-----------------

[1] الحاج حسين الشاكري. العقيلة والفواطم. ص17.

[2]   الشيرازي: ناصر مكارم. الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل. ج13،ص250-252.

[3] ليلة عاشوراء في الحديث والأدب، ص65. مكتبة أهل البيت الالكترونية.

[4] الحلي: العلامة. منتهى المطلب، ج4، ص12. مكتبة أهل البيت.

[5] العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج74، ص415.

[6] العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج45، ص164.

----------------

كلمة الجمعة بتاريخ 4 جمادى الأولى 1432 هـ. الموافق 8 أبريل 2011م.

من نفحات العصمة
لاَ يَصْدُقُ

 إِيمَانُ عَبْدٍ، حَتّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللهِ أَوْثَقَ مِنهُ بِمَا فِي يَدِهِ.

الإمام علي عليه السلام.

صورة عشوائية
صورة شخصية