سماحة الشيخ يدعو لقراءة سيرة الإمام الصادق (ع) في الشأن الاجتماعي      الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين                                   
{right_ad}
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 3
زوار الموقع 711041

كلمات الجمعة
دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة
الشيخ صادق الرواغة | 2011-07-09| قراءات [4573]

إن دور رسالات السماء وحركة الأنبياء تهدف تربية الإنسان والأخذ بيده نحو الكمال والفضيلة من خلال تربية هذه النفس الجموح وتزكيتها من شوائب الهوى وتحكم الغريزة والانصياع في تلبية رغباتها ونزعاتها، والإسراف في ملذات الدنيا والتوغل في الماديات، وبكلمة أخرى إن تلك الرسالات جميعها كانت تهدف تربية الإنسان وانتشاله من براثن الجهل وظلمة الرذائل وتحكم الهوى، وبمعنى آخر جعل الإنسان إنسانا أو (أنسنة سلوك الإنسان)، وفق المبادئ والقيم الأخلاقية والسلوكية.
وإذا كان دور الأئمة هو امتداد لدور النبي الأكرم (ص) -كما نؤمن به ونعتقده-، فإنهم بذلك يتحملون مسؤولية الحفاظ على المبادئ والقيم والمفاهيم الإسلامية، وهداية الأمة وتصحيح مسارها وتقويم ما اعوج منها، والأخذ بيدها نحو الكمال، فكرا وعقيدة وأخلاقا وسلوكا.
فسعى أئمة أهل البيت (ع) على تحقيق تلك الأهداف، حسب الظروف المتاحة في زمن كل إمام، مشخصين أولا المرض ثم العمل على علاجه من خلال الظروف المتاحة آنئذ، وبما يمتلكونه من قدرة لتطويعها في سبيل تحقيق تلك الأهداف والغايات التي عملوا لأجلها، ووضع العلاج المناسب لها على المستوى الفردي والاجتماعي.
تشخيص المرض
من الطبيعي أن الطبيب لا يمكن أن يصف الدواء المناسب لعلة لا يعرفها ولا يعرف أسبابها، وبالتالي فلو حاول جاهدا أن يقوم بعملية العلاج فعلاجه لا يجدي شيئا، وكذا الحال بالنسبة للأمراض التي تصيب الأفراد والمجتمعات البشرية، تحتاج لفحص دقيق للوقوف على أسبابها ونتائجها من أجل التخلص منها أو تقليل خطرها على أقل المستويات الممكنة.
فبعد وفاة الرسول (ص) مر العالَم الإسلامي بمراحل مختلفة وفي غاية الخطورة، ولعل أخطرها ما أعقبت واقعة كربلاء وما جرى فيها حيث استبيح الدم الطاهر الزكي وانتهكت حرم الإسلام وضاعت قيم الدين من نفوس الناس، وأصبحت هناك حالة من التهاون في القيم والأعراف الدينية والتسيب الصريح في أحكام الدين.
ويمكن -أولا- أن نلخص تلك الحالات المرضية على المستوى العام بعيدا عن التشخيصات الاجتماعية في أمرين:
الأول: فقدان الشخصية الإسلامية.
فبعد عملية الانفتاح على ثقافات متنوعة، وأعراف وتقاليد وأوضاع اجتماعية مختلفة وبحكم تعامل المسلمين وتفاعلهم مع الشعوب المختلفة التي دخلت الإسلام وعاشت في وسط المسلمين، أنتجت تلك العملية تفاعلا مع مختلف الثقافات فبرزت على السطح بعض المعتقدات والأفكار وراجت في وسط المسلمين ووجدت لها مساحة سوقية، فاستهلكها المسلم وباتت ضمن قناعته وثقافته، متبنيا لها مدافعا عنها، كعقيدة الجبر والإرجاء ونحوها والتي ساهمت السلطة آنئذ في ترويجها بين الناس.
الثاني: التوجه المادي.
امتدت الأمة الإسلامية في مساحات واسعة أنتج رخاء ولو نسبي في وسط الأمة، وهذا الامتداد ساهم في تكريس حالة الترف والانسياق خلف ملذات الدنيا والإسراف في زينتها.
هذا التوجه والسلوكيات التي لم تكن ضمن الثقافة الإسلامية الأصيلة ولا الأعراف والقيم الاجتماعية التي كانت حاكمة في الوسط الإسلامي، أطفأت الشعور الملتهب بالقيم الأخلاقية والصلة الروحية بين العبد وربه، فابتعد ونأى بنفسه عن كل قيمة وعرف اجتماعي إنساني، وعن كل مبدء ديني.
ونحن اليوم نعيش هذه الحالة في أوساطنا الاجتماعية حيث أثّرت عملية الانفتاح على ثقافات وتقاليد وسلوكيات مجتمعات بشرية متنوعة على قيمنا وأعرافنا وعاداتنا الاجتماعية، فتبدلت المقاييس والمعايير لدينا، فغابت الشخصية الإسلامية حتى من أبسط التصرفات والسلوكيات، مبررين لها بألف حجة وحجة.
هذان الأمران كانا الصبغة العامة للمجتمع الإسلامي بشكل عام، وأما إذا أردنا أن نوصّف لكل مجتمع من المجتمعات الرئيسة في الأمة الإسلامية فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام، كل قسم منها مصاب بحالات مرضية معينة خاصة به، مع عدم إغفالنا التشخيص العام بالطبع:
المجتمع الشامي:
وقد أصيب بأمراض فكرية وعقدية وسلوكية أدت إلى انقلاب الموازين والمعايير لديه، وانقلاب الحقائق بحيث تحول الحق باطلا والباطل حقا، وكان المجتمع الشامي يعيش حالة من الجهل بحيث لا يفرق بين الناقة والجمل، مع وجود حالة المجون والتسيب الأخلاقي والديني، بسبب ضخ وبث ثقافة موجهة، ووجود من يضع الأحاديث وينسبها لرسول الله (ص)، لمسخ الهوية الدينية والإسلامية.
وقد كتب لذلك النجاح بسبب العزلة التي ضربت على أهل الشام بسبب منعهم من الاختلاط بسائر المسلمين خصوصا أولئك الذين كانوا ضمن جيش معاوية.
المجتمع الكوفي:
امتاز المجتمع الكوفي بمرض التخاذل والتثاقل والعجز عن نصرة الحق مع معرفتهم في الغالب بأن هذا حق وذاك باطل، فهم من حيث العلم بالباطل والحق يعلمون ولكن من حيث التمسك والعمل وفق علمهم فلا.
وكذلك عرفوا بأهوائهم المختلفة وتشتتهم عن بعضهم، وبكلمة أخرى ليس للمجتمع الكوفي كيان واضح يجمعهم ولا رموز وقيادات يرتضونها بسبب سياسة الترهيب والترغيب التي عزلت تلك القيادات والرموز عن الساحة وممارسة دورهم في قيادة الساحة الاجتماعية.
ولعل أفضل توصيف للحالة الكوفية تلك ما قاله الفرزدق للإمام الحسين (ع) عندما التقى معه في الطريق إلى الكوفة، حيث سأله كيف تركت الناس في الكوفة؟! قال الفرزدق: قلوبهم معك وسيوفهم عليك، واتضحت مقولة الفرزدق جليا في خيانتهم بيعتهم لمسلم بن عقيل (ع) حيث نقضوا البيعة وتخلوا عنه وأسلموه لقمة سائغة في يد رجال عبيد الله بن زياد.
المجتمع المدني (المدينة المنورة).
تحول الوضع في المدينة المنورة إلى حالة من البؤس والتخاذل والهروب والابتعاد عن القيم والمبادئ الإسلامية، والتمسك بالمظاهر الزائفة والقشور والسطحية التي لا تغني عن الحق شيئا ولا تغير شيئا من الواقع المرير، فقد انعزل بعض أبناء الصحابة في صوامعهم وابتعدوا عن الساحة الاجتماعية وتركوها عرضة القهر والقمع، ولم يحركوا ساكنا لأجل ممارسة التغيير لاك الواقع الفاسد.
مضافا إلى ذلك أن في تلك المرحلة بالذات قد كثرت الملاهي والمعازف جوار مسجد الرسول  وكثر المجون واللهو، وباتت المدينة في حالة من الفوضى العارمة والتهاون في القيم الأخلاقية والدينية.
هكذا كان الوضع العام والخاص حسب كل مجتمع كما ذكرنا، حيث مر المجتمع الإسلامي بظروف طغت فيها الحياة المادية الشهوانية نتيجة لانغماس الحاكمين في اللهو والفساد، مما أدى إلى عزوف أكثر المتدينين عن الحياة العامة وانعزالهم عنها.
 فأمام كل ذلك انبرى الإمام زين العابدين (ع) محاولا التصحيح والعلاج لتلك الأمراض التي استشرت وتفاقمت في الوسط الاجتماعي، بعد إدراكه لمواطن الخطر وحالة المرض.
وقد كانت الحقبة السياسية والاجتماعية التي عاصرها الإمام علي بن الحسين السجاد (ع) -كما قلنا- من أشد الفترات ظلاماً في تاريخ الإسلام، فقد استبد الحكم الأموي حتى قتل سبط رسول الله (ص) وذريته وأهل بيته وأصحابه في جريمة مأساوية لم ولن يشهد التاريخ لها مثيلا، وتجاهروا بكل أنواع المنكرات والموبقات، حتى أن يزيد بن معاوية كان يقول مستشهدا بأبيات ابن الزبعري الكافر: لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل.
أمام تلك الأخطار والأمراض ارتكز الإمام (ع) لعلاجها على عدة أدوار مارسها في عملية الإصلاح وممارسة التغيير:
الدور العلمي:
بعد عملية الانفتاح التي أدخلت الأمة في دهاليز ثقافات متعددة ومتنوعة، وأفكار هي في واقعها بعيدة عن الدين الإسلامي، وبسبب عملية التفسير الخاطئ للقضايا الدينية والقرآنية، والتي كانت تمارس إما بشكل منهجي مدروس أو من خلال الفهم الخاطئ البعيد عن أحاديث الرسول (ص) والاعتماد على الرأي والقياس في النصوص القرآنية والحديثية.
أكد الإمام زين العابدين (ع) على فتح أبواب مسجد رسول الله (ص) وافتتح حلقة للدرس في مختلف العلوم الإسلامية، من رواية الحديث وتدوينه في زمن كان وما زال متأثرا بسياسة منع تدوين الحديث، إلى فتح باب الاجتهاد، وعلوم الفقه وتفسير القرآن الكريم، ومعالجة القضايا العقدية التي جاء بها أهل المقولات الكلامية كعقيدة الجبر والإرجاء وأمثالها.
فأصبح العلماء ينتهلون من نمير علمه ورافد فكره، يحملون ذلك إلى الأفاق المختلفة ويعلمونها الناس.
الدور التربوي:
عندما أدرك الإمام زين العابدين (ع) أن المرض الحقيقي يكمن في الابتعاد عن الله سبحانه وتعالى وعن قيم الدين ومبادئه، وأن الأمة تعيش خواء روحيا وفراغا فكريا وعقديا، وانغماسهم في ملذات الدنيا وبلغوا حد الإسراف فيها، سارع في إرجاع الناس إلى خالقهم عن طريق تربية النفس وإصلاحها من خلال مختلف الأدعية الواردة في الصحيفة السجادية التي تزخر بألوان التضرع والانقطاع لله عز وجل.
كما أنه أدرك أيضا أن الحقوق قد ضيعت وأصبح الناس لا يراعون حرمة لها، أكد على تأصيل الحقوق بين مختلف شرائح المجتمع فيما سمي برسالة الحقوق والتي احتوت على ذكر الحقوق المختلفة والتأكيد على ممارستها والعمل بها.
وبنظرة على الصحيفة السجادية يتضح أن الإمام ضمنها الكثير من المعاني المرتبطة بالتوحيد وما يتفرع عنه وعقائد الدين الأخرى، كما وأكد على أخذ هذا الإنسان المسلم نحو درجات الكمال والسمو الأخلاقي والفكري والسلوكي والاجتماعي.
وقد اعتمدت الصحيفة السجادية على تكاملية التربية الفردية والاجتماعية لإدراك الإمام (ع)  أن التربية ما لم تأخذ طابعا اجتماعيا بعد التربية الفردية فإنها تكون ناقصة لا فائدة فيها.
إن التربية الفردية تهدف تكامل الإنسان في أبعاد شخصيته المختلفة الفكرية والعقدية والدينية والعبادية والاجتماعية والسلوكية والأخلاقية، وما لم تصل التربية لإشباع هذه الجوانب المختلفة فإن شخصية الإنسان تبقى ناقصة وربما تكون مهزوزة وغير مستقرة بسبب فقدان بعدٍ من أبعاد شخصيته.
نماذج من التربية الفردية
النموذج الأول:
ففي دعاء مكارم الأخلاق نجد أن الإمام (ع) يؤكد على أهمية الإيمان واليقين وضرورة تعاهدهما لإيصالهما إلى أبلغ غاياتهما وكمالهما، إذ أن الإيمان يزيد وينقص وفق تفاعل المسلم مع كل مفردة من مفردات الدين، وبالتالي يحتاج للتأكيد على مراقبته وتعاهده دائما لئلا يصاب بنقص أو ضمور، فيقول:"اللهم صل على محمد وآله، وبلغ بإيماني أكمل الإيمان، واجعل يقيني أفضل اليقين..".
ثم بعد التأكيد على الإيمان واليقين والعمل والنية الحسنة والتي تدفع بالإنسان نحو التفاعل الداخلي مع كل عمل وصفة خير، يؤكد (ع) على أهمية عدم الاغترار بما يقدمه الإنسان من عبادة مهما بلغت كميتها، إذ أن المرء قد يصاب بالغرور والعجب مما يراه في نفسه من رفعة بين الناس واهتمام بصفة فيه، وكلما أمعن البعض في الإشادة بها أمامه انتابه الغرور والعجب وارتاحت نفسه لهذا الإطراء، فأصبح داخله ونفسه تلح عليه بطلب الاستماع لمثل ذلك من الآخرين، وهذا مرض نفسي، لذلك يحرص الإمام (ع) على مسألة التواضع الداخلي لدى الإنسان، بأن يكون في داخله متواضعا لا متصنعا للتواضع لكي يتخلص من هذا المرض.
وهذا المقطع المتقدم من دعاء مكارم الأخلاق، يؤكد على أهمية الطموح في حياة المسلم والمؤمن، بأن لا يرضى بمستواه ووضعه الذي يعيش فيه، بل عليه دائما أن يسعى للوصل لما هو أفضل وأحسن، وكما ورد:"من تساوى يوماه فهو مغبون".
فكما أن الإنسان يمتلك الطموح في ترتيب وضعه المعيشي على مستوى الوظيفة ويطمح أن يصل لوظائف مهمة ومناصب راقية، فكذا عليه أن يدرك إصلاح وتطوير أي جانب من جوانب شخصيته للأفضل والأحسن والأكمل.
النموذج الثاني:
كثير من الناس من يضيعون أوقاتهم في أمور جانبية و هامشية وسطحية، لا تفيدهم في دنياهم ولا في آخرتهم، فيضيع عمر الإنسان سدا في مسألة الترفية عن النفس ونحوها مبررين بمبررات مختلفة.
إن الإسلام لا يحرم على الإنسان الترفيه عن نفسه وعياله، ولكن أن يقضي طوال حياته في الترفيه هنا وهناك مبتعدا عن الأمور الجوهرية والتي يسأله الله تعالى عنها يوم القيامة فهذا ما هو إلا إضاعة للعمر.
فيقول (ع):"واكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعملني بما تسألني غدا عنه، واستفرغ أيامي فيما خلقتني له".
هكذا يوجهنا الإمام (ع) للأمور المهمة في حياتنا لا أن تكون الاهتمامات سطحية هامشية.
أنفاس عمرك أثمان الجنان فلا
تشري بها لهبا في النار يشتعل.
نماذج من التربية الاجتماعية
النموذج الأول:
بما أن الإنسان فرد من أفراد المجتمع، وكونه لا يعيش في جو بمفرده من دون الاحتكاك مع آخرين يشاركونه ذات المساحة الجغرافية، ولكون المصالح بين أبناء المجتمع متداخلة، فكان لابد من وضع نظام الحقوق المتبادلة التي تضمن لكل فرد حقه وتوجب على الآخرين الالتزام بها، وإذا ما ضيعت تلك الحقوق ولم تراع فإن بنية العلاقات الاجتماعية وأواصرها تهتز وتضعف وتنعدم حينها الثقة بين أبناء المجتمع.
ومع التأكيد على نظام الحقوق، فإن هناك تأكيد على القيم الأخلاقية والإنسانية التي لابد أن تسود، فتضمن جوا من الطمأنينة والهدوء والاستقرار والصفاء في العلاقات، كالتسامح والعفو والنصيحة والإيثار واللين والتماسك والتكاتف والتعاون، وغيرها من مكارم الأخلاق التي تضفي جوا هادئا وهانئا، تجعل المجتمع كوحدة واحدة منسجمة مع بعضها، وإن وجدت بعض الأخطاء أو توتر في العلاقات فإن مكارم الأخلاق تضمن التقليل من التشنجات والتوترات بين أبناء المجتمع.
ومن الأمور التي ندبت إليها تعاليم الإسلام وتوجيهاته تقديم يد العون والمساعدة وقضاء الحوائج، فخدمة الناس باعتبار كون الإنسان جزء من التركيبة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وكون العلاقة بين أبناء المجتمع علاقة تفاعلية، فهي تدعو لإيجاد جو المودة والمحبة وروح الانسجام والتجانس في صفوف المجتمع.
النموذج الثاني:
لعل من أهم الأمور التي لابد أن تراعى في مسألة العلاقات الاجتماعية، كون طبيعة الاجتماع تقتضي وجود المشاكل الاجتماعية بين أبناءه، وذلك بسبب وجود الاحتكاك بين أفراد المجتمع، فكلما زاد الاحتكاك وتداخلت المصالح كلما برزت على السطح المشاكل بأشكال متنوعة، فالمجتمع يتكون من شرائح اجتماعية مختلفة من حيث الإدراك والوعي ومن حيث سعة الصدر وضيقه، ومن حيث السلوك والتحلي بالأخلاق وردود الأفعال، وهكذا في مختلف الأبعاد هناك فوارق واضحة.
فمنها مقابلة الإساءة بالإحسان، فأمام أي مثير هناك أربعة مواقف وردود أفعال مغايرة عن بعضها: مقابلة الإساءة بمثلها أو السكوت أو السكوت والعفو أو السكوت والعفو والإحسان إلى المخطئ، وتعاليم الإسلام دائما تدعو باتجاه العفو والإحسان للمسيء.
ومن النماذج التي يركز عليها الإمام السجاد (ع) في الصحيفة المقطع التالي والذي يكشف عن نفسية إنسانية وأخلاقية:"اللهم صل على محمد وآله، وسددني لأن أعارض من غشني بالنصح، وأجزي من هجرني بالبر، وأثيب من حرمني بالبذل، وأكافئ من قطعني بالصلة، وأخالف من اغتابني إلى حسن الذكر وأن أشكر الحسنة وأغضي عن السيئة"
ففي هذه المقطوعة العميقة نرى كيف أن الإمام (ع) يحاول أن يزرع في نفوس الناس حب الخير والتطلع للأفضل فيما يرتبط بالعلاقات بين المؤمنين، وأن تتحلى بالسلوك الحسن الذي يضمر الخير لأبناء المجتمع.
هكذا شخص الإمام (ع) الواقع الإسلامي آنئذ، واستطاع أن يقف على مكمن المشكلة وهي الابتعاد عن الله والتمسك بالدنيا والإسراف فيها لحد الجنون، فوضع العلاج المناسب لعلاج تلك المشاكل التي عصفت بالأمة محاولا إرجاعها لفطرتها وإنسانيتها.

---------------------

لكمة الجمعة بتاريخ 24 محرم 1432هـ. الموافق 30 ديسمبر2011م.

من نفحات العصمة
لاَ يُعَابُ
الْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ.
الإمام علي (ع)
صورة عشوائية
صورة شخصية