سماحة الشيخ يدعو لقراءة سيرة الإمام الصادق (ع) في الشأن الاجتماعي      الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين                                   
{right_ad}
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 3
زوار الموقع 711058

كلمات الجمعة
عوامل النهوض والرقي الاجتماعي
الشيخ صادق الرواغة | 2011-07-13| قراءات [4750]

الكون بما فيه يحث الخطى باتجاه التكاملية في مختلف أبعاد الحياة.. الإنسانية والاجتماعية والفكرية والتربوية وغيرها من سائر الأبعاد المرتبطة بالإنسان والمادة على حد سواء.
وهذه الحركة بطبيعة الحال خاضعة للنواميس والسنن الإلهية الحاكمة على الكون كله بدون استثناء، وباعتبار كون الإنسان هو المستهدف من الخلق فإن الحركة الكونية سائرة كلها  لخدمة الإنسان وتحقيق أهداف الخلق وغايته والاستفادة من ثرواته واستثمارها لتحقيق العمارة والإصلاح فيها، بما يعود نفعه على الإنسان وسائر المخلوقات، فما جعل الله تعالى كل هذه الثروات الهائلة إلا لخدمة الإنسان، ليستثمرها في طريق التكامل.
فهذه القوانين والسنن لابد أن تراعى لكي تعطي الثمار المرتقبة التي يطمح الإنسان لتوفيرها وإيجادها، ضمن قانون الأسباب والمسببات.
فللنهوض عوامل لابد من توفرها وإيجادها وتحقيقها على مستوى الفرد والمجتمع، حتى يتحقق ذلك النهوض الحضاري المنشود الذي يطمح إليه المؤمنون، وبدون توفير تلك العوامل فإن السكون والخمول وعدم الفاعلية يكون نصيب الحركة الاجتماعية، مما يستدعي حياة لا حراك فيها، يكون المجتمع أقرب للموت منه للحياة، تفتقد عندها العزة والكرامة.
وحتى ندرك بشكل واضح عوامل النهوض والرقي الاجتماعي، لابد أن نتوقف قليلا عند عوامل السقوط والانهيار، فإن الأمور تعرف بأضدادها كما يعبرون.
فهناك من يُرجع أسباب السقوط والانهيار إلى الطبيعة التي تقسو على الإنسان، ومنهم من يرجعه إلى الشيطان عدو الإنسان اللدود الذي توعد بمحاربة الإنسان إلى يوم القيامة يعاونه في ذلك أتباعه وأنصاره، كما يحكي ذلك القرآن الكريم، ومنهم من يرجع ذلك إلى عوامل فكرية واجتماعية وواقعية كالترف والانحطاط الخلقي والتفرقة والاختلاف وفقدان الذوق الحضاري، ومنهم من يرفض ذلك كله ويجعل عوامل السقوط حتمية بقدر الله تعالى، وبالتالي لا يد ولا إرادة للإنسان ولا اختيار له في كل ما يجري من أحداث، ومهما حاول مفكرا لإيجاد الحلول فإنه يتعب نفسه بدون طائل، بل عليه أن لا يحاول الخروج مما فُرض عليه.
إن بعض تلك العوامل التي ذكروها صحيحة، والقرآن الكريم والمفاهيم الإسلامية تحدد لنا بدقة عوامل السقوط والانهيار الذي يجتاح المجتمعات البشرية، كسنن إلهية، يلخصها قوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [1].
{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا}
[2].
فمن عوامل السقوط والانهيار:
-ارتكاب المعاصي والذنوب في مخالفة المنهج الرباني.
هناك سنن إلهية وضعها الله تعالى حاكمة في الكون، منها تكوينية كالنظام الذي يحكم الكون بأسره، الذي يحافظ على انتظام الكواكب ببعضها، ضمن أفلاك وخطوط وهمية:{لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [3].
ومنها تشريعية والتي تتمثل في النظام والقانون الإسلامي، من الواجبات والمحرمات، فإذا ما خالف الإنسان هذه القوانين وتهاون بها، وارتكب المعاصي والذنوب، وصارت جزء من حياة الفرد والمجتمع وانتشرت فيه بطابعها الإجرامي، فإن سنة التغيير تتحقق حينئذ فيعم الدمار والهلاك وتتقوض الحضارات وتنتهي.
-الظلم
كالقتل ومصادرة الحقوق، وسلب أموال الناس وإذلالهم، والتغني على مآسيهم وشقائهم، فكل ذلك سبب لإسراع عملية السقوط، حتى على مستوى الأفراد، فهذا القانون والسنة الإلهية لا تخص المجتمعات البشرية أو المجتمعات فحسب.
يقول تعالى في سورة يونس آية (13):{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}.
ويقول في آية 59 من سورة الكهف:{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا}.
-الترف والانحطاط الخلقي.
إن من أهم عوامل السقوط وزوال الحضارات الترف والانحلال الخلقي، والإسراف في ملذات الدنيا، والتفنن في الخلاعة والمجون والفساد، والانشغال بالملاهي والملذات، فالترف هو سبب هلاك الأمم والأفراد.
يقول تعالى في سورة الإسراء آية (16):{وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}.
كما أن للبطر والطغيان نتائج مهلكة على الفرد والأمة، فالغرور دعاهم إلى أن يبطروا في النعم، يوضح لنا القرآن الكريم عاقبة أولئك بقوله في سورة القصص آية(58):{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ}.
-الاستكبار والطغيان
العزة والكبرياء والعظمة لله تعالى، فإذا طغى الإنسان وتجبر وضاهى الله في ملكوته وعظمته، فإنه سيأخذه أخذ عزيز مقتدر، سواء أكان شخصا أم أمة من الأمم، فالقانون العام ينطبق على الجميع بدون استثناء أفرادا وجماعات.
يقول تعالى:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [4].
والإنسان إذا استشعر الغنى في نفسه يطغى، كما يعبر القرآن الكريم:{كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى*أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}[5]
ويقول أيضا في سورة النبأ آية (21-22):{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا*لِلْطَّاغِينَ مَآبًا}.
-النزاع والتفرق.
لا نحتاج لبسط أدلة على أن التفرقة والنزاع الداخلي أحد أهم عوامل السقوط والانهيار، فإذا ما ذبت التفرقة في وسط الأمة، وامتازوا شيعا وجماعات، كل حزب بما لديهم فرحون، فإن الأمة تكون أقرب للانهيار، بما تسببه التفرقة من صراعات طائفية أو مذهبية أو فئوية، يدخلهم في حروب طاحنة لا تبقي ولا تذر.
{.. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}. الروم/31-32.
هذه بعض عوامل السقوط والانهيار الذي يجتاح الأفراد والأمم، أما عوامل النهوض والرقي الاجتماعي والحضاري فهي:
-الاستقامة طريق النهوض
قد يؤمن الإنسان بفكرة معنية، أو بمنهج معين يسير على هديه وضوءه مدة من الزمن، ولكن وبسبب تداخل بعض العوامل النفسية والمصلحية، يهجر ذلك المنهج وينحرف عنه أو يتهاون به، ويتعامل معه تعاملا سطحي هامشي متمسكا بالقشور تاركا اللب والجوهر، ينطبق عليه العنوان العام فقط مع فقدان الهوية الحقيقية، كالكثير من المسلمين الذين ينطبق عليهم عنوان الإسلام وهم أبعد ما يكون عن تعاليمه وهديه.
والاستقامة على مستوى الفرد والأمة، هي سلوك الصراط المستقيم والدين القيم لا يميل عنه، والاستمرار على المنهج الذي رسمه الله تبارك وتعالى لصالح الإنسان وسعادته في الدارين.
ولكون الاستقامة أمرا ليس هينا، وإنما يحتاج للجد والصبر، يأمر الله تعالى نبيه الكريم (ص) في سورة هود آية(112) بقوله:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. والاستقامة تعني الثبات وعدم الميل عن المنهج المرسوم باطنا وظاهرا.
يقول أمير المؤمنين (ع):"العمل العمل، ثم النهاية النهاية، والاستقامة الاستقامة، ثم الصبر الصبر، والورع الورع، إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، وإن لكم علما فاهتدوا بعلمكم، وإن للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته، وأخرجها إلى الله مما افترض عليكم من حقه وبين لكم من وظائفه، أنا شاهد لكم وحجيج يوم القيامة عنكم، ألا وإن القدر السابق قد وقع، والقضاء الماضي قد تورد، وإني متكلم بعدة الله وحجته قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [6]، وقد قلتم ربنا الله فاستقيموا على كتابه، وعلى منهاج أمره، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته، ثم لا تمرقوا منها، ولا تبتدعوا فيها، ولا تخالفوا عنها، فان أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة" [7].
ولقد حكى لنا القرآن الكريم قصص بعض الذين انحرفوا عن المنهج بعد إن كانوا مؤمنين، ولم يثبتوا على الحق، بسبب طمعهم وغرورهم وطغيانهم.
فهذا بلعم بن باعورا وقد كان يعلم الاسم الأعظم، ولكنه لم يستقم فارتد وكفر، وغيره الكثير مما انتهت حياتهم إلى الانحراف والميل عن الصراط المستقيم، بعد إن كانوا من المؤمنين الأتقياء، فالمهم هو الاستقامة والنهاية.
يقول تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} سورة فصلت/30.
-الإيمان رأس المال
الإيمان لا يعني مجرد الاعتقاد الباطني، كما يعبر عنه بعض بقوله: الإيمان مسألة قلبية، وإنما الإيمان أن يكون هناك انسجام بين اللفظ والقلب والسلوك والعمل الصادر من الإنسان، فلا يمكن فصل الإيمان عن العمل والسلوك، فالروايات الواردة في معنى الإيمان دائما تربط بين مجرد الاعتقاد القلبي وواقع الإنسان، لأن المترجم الحقيقي للإيمان هو عمل الإنسان وسلوكه وواقعه الذي يعيشه.
فهو إذا؛ ليس مجرد تصديق بالله وبما جاءت به رسله من رسالات سماوية، والتصديق بهم، وإنما هو نهج يتبعه الإنسان المؤمن مع اعتقاده به.
فالتمسك الظاهري بالرسالات السماوية، ومعرفة الأحكام معرفة مجردة وسطحية، لا يسمى صاحبها مؤمنا، بل المؤمن هو الذي يحول تلك الرسالة إلى منهج عمل وسلوك يتفاعل مع كل مفردة من مفردات الرسالة.
إن التمسك الظاهري والسطحي بما جاءت به رسالة الإسلام، يتضمن الانتماء لهذا الدين الذي يحقن به الدماء وتصان به الفروج وتحفظ به الأموال، وأما الإيمان فهو مرحلة أكثر كمالا، فهو يعني التفاعل العميق بكل ما جاءت به الرسالة المحمدية.
ورد عن الإمام الرضا (ع) عن آبائه (ع) عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الإيمان قول باللسان، ومعرفة بالقلب وعمل بالأركان" [8]. وفي رواية أخرى وعمل بالجوارح.
فالتعبير بكون الإيمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وأنه عمل بالأركان، دليل على أنه لا يمكن فصل الإيمان مطلقا عن الإقرار والاعتراف والعمل والسلوك.
وكلمة الإيمان تتضمن معان وصفات أخرى داخلة فيه، كالإخلاص، الأمانة، الرضا، التسليم، التوكل، التقوى، الورع.. وهكذا سائر الصفات التي بمجموعها تدل على كون كيان الإنسان بكل ذراته متفاعلا مع معتقداته.
-تطبيق المنهج الإسلامي على الواقع
المفارقة الواضحة في مسلم اليوم هي في الفصل بين النظرية والتطبيق، فعلى مستوى الإيمان المجرد والعلم والمعرفة والتمسك بالقرآن وهدي النبي (ص) وأهل بيته (ع) وبين الواقع المعاش، -واقع الفرد وواقع الأمة- تكمن في وجود الفصل والغربة بينهم، فما نعرفه وما نقرأه وما يؤمن به يبقى في حيز عدم التنفيذ والتطبيق، أي أن الواقع الذي نعيشه لا حراك فيه.
والفائدة التي نريدها من خلال التمسك بالقرآن ومعرفة ما جاء به النبي (ص) وأهل بيته (ع)، وما نؤمن به، لا تتم إلا بتحويل المنهج الإسلامي إلى حيز التطبيق العملي في حياة الفرد والأمة، أما إذا حولنا كل ذلك لمجرد ترفٍ فكري أو معرفيٍ، وابتعدنا عن المنهج الإسلامي كمنهج قابل للتطبيق على واقعنا، فذلك يعني أن النتيجة المرتقبة هي السقوط والانهيار.
فآيات القرآن تنفي صفة الإيمان وتضفي صفة الكفر والفسق والظلم على الفرد والأمة التي لا تحول المبادئ والمفاهيم الإسلامية كمنهج لا ينعكس على واقعها:
فيقول في سورة المائدة، آية(44، 45، 47):{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}.
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.
فالإسلام ليس مجرد نظريات غير قابلة للتطبيق، وإنما هو عقيدة وتشريع ونظم وقوانين وعمل وعلم، بعيدا عن الشكليات، فهو دين مبني على الإيمان الذي ينفذ في عمق الإنسان ممتزجا بعواطفه وأحاسيسه يحولها إلى واقع وسلوك وعمل يتحرك بحماسة وحرارة لينتشل الإنسان من الجهل والركود إلى منهج نور وهدى.
-البناء الروحي
الإسلام دين الوسطية والاعتدال والتوازن، وليس دين الغلو والإفراط، وبما أن الإنسان مكون من جانبين: الجانب المادي والنفسي من جهة، والجانب الروحي العقلي من جهة أخرى، قبضة من التراب والطين، ونفخة من روح الله تعالى، فلابد أن يراعي المنهج هذين الجانبين في عملية البناء والتربية، وإغفال جانب على حساب آخر، يعني عدم التوازن بينهما، مما يستدعي حالة الإفراط والتفريط والتي يكون معها الإنسان مضطربا وغير مستقر، يتوغل في جانب ويشبعه ويغفل عن الآخر.
وفي القرآن الكريم آيات تدل على أهمية الاعتدال في كل شي..
ففي سورة الإسراء آية(110):{وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}
وفي سورة الفرقان آية(67): {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}.
وفي سورة لقمان آية(19):{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}.
إلى غير ذلك من الآيات الداعية لأهمية وضرورة إيجاد المنهج المعتدل لدى الإنسان، بلا إفراط ولا تفريط.
ولكون الإنسان في الغالب تشغله الدنيا والأمور المادية طوال يومه، ، والتلذذ بملذاتها، متوجها لإشباع رغباته، لاهثا خلف المتع الدنيوية وكسب المال، حينها قد يغفل عن احتياجات روحه ومتطلباتها، ولإعادة التوازن الداخلي في ذاته، لابد أن يوفق بين المطلبين توفيقا حسنا معتدلا، فيغذي تلك الروح ويشبعها بملذاتها أيضا.
ويكون ذلك من خلال تلاوة القرآن تلاوة تأمل وتفكر وتدبر، لا قراءة سطحية أو لأجل الثواب فحسب، وكذلك أن يتوجه لصنوف الأدعية الواردة عن النبي (ص) وأهل بيته الكرام (ع)، ويتأمل معانيها وأبعادها وأهدافها.
"فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم. وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم  فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم، وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم"[9].
والقرآن الكريم يلفت عناية المسلم، لبكاء نبي الله يعقوب (ع) عندما فقد ولده يوسف (ع)، حيث بكى عليه سنوات حتى ابيضت عيناه من الحزن، وذهب بصره.
فالإنسان بحاجة ماسة لتركيز الصفات النفسانية في داخله، كنقاء القلب والورع والارتباط بالله، والخوف منه في السر والعلن، كل ذلك يحتاج لاستحضار لذة الجنة ونعيمها، عذاب النار وجحيمها في قلبه.
إرساء المبادئ
يقول السير (فيليب جيبس) في كتابه (عظمة الرسول):"لقد فعل الإسلام -ديانة محمد- للنهوض بالإنسانية والمدنية ما لم تفعله أي ديانة أخرى منذ بداية الخليقة وفي القرون الخالية -وفي القرن الحالي- قد اعتمد مئات الملايين من الناس على الإسلام، ولا يزال الإسلام قوة كبيرة يعتمدون عليها، ولولا المبادئ الإسلامية المثالية العظيمة لعادت البشرية -بلا ريب- إلى العصور الوحشية المظلمة".
نعم؛ إن اتساع رقعة الإسلام وانتشاره في دول العالم، لم يكن لولا مبادئه وقيمة التي ملكت القلوب والعقول، وساهمت في تصحيح البنية الاجتماعية وحل الكثير من الأزمات التي عصفت وما تزال تعصف بالمسلمين في كل زمان ومكان.
إن الإسلام بمبادئه وقيمه أرسى قواعد العلاقات بين مختلف الأطياف والتوجهات، حتى الخارج غير المسلم استطاع أن يعيش حياة كريمة في ظل الأنظمة والقوانين الإسلامية، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.
الوعي والإدراك
تسهم ثقافة أي مجتمع في صياغة تفكير وسلوك أفراده، وإيجاد ما يتلاءم مع تلك الثقافة من أفكار وعادات وتقاليد وأنماط اجتماعية، فإذا كانت الثقافة السائدة ثقافة واعية فإنها تساعد في صناعة الوعي وخلق روح الإبداع، كما أن ثقافة الأفراد تساهم في رفع مستوى الوعي والإدراك في الوسط الاجتماعي من جانب آخر.
فكما أن الكل يؤثر في الجزء، فكذا الجزء يؤثر في الكل، إذ أن العلاقة بينهما علاقة فعل وانفعال، لا علاقة سكون وعدم حركة.
فعندما يدرك الإنسان الواعي واقعه المأزوم، ويدرك النقص والخلل فيه أو في مجتمعه ويتحمل مسؤوليته الاجتماعية، عند ذلك تحركه تجاه ما يحدث، بوعي نحو تصحيح الخلل وسد النقص الموجود، وحل المشاكل، أما إذا لم يمتلك الإدراك والوعي ولم يكن متحملا مسؤوليته، وكانت الثقافة التي تربى ونشأ عليها ثقافة سطحية، فعند ذلك لا يرى نفسه معنياً بكل حدث أو مشكلة تطرأ في المجتمع، ولا يهمه إلا تحقيق مصالحه الشخصية فحسب، فضلا عن أنه لا يرى نفسه مسؤولا عن ثقافته ووعيه وإدراكه بمجريات الأمور.
إن الله تعالى يضرب مثلا بقرية تلك القرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف.
فعندما يجنب الإنسان نفسه مسؤولية الوعي والإدراك، ويتوغل في الذنوب والمعاصي، وكفر النعم الإلهية، عند ذلك تكون النتيجة تحول الأحوال، فبعد الغنى والرقي والنهوض والتقدم، تكون الانتكاسة للخلف، وبعد الازدهار والإنتاج، يكون الفقر والجوع على مستوى الفرد والمجتمع، وبعد العز والكرامة تكون الذلة والخنوع.
فما ينقصنا هو البعد الحضاري الإسلامي في أذهاننا، بحيث يعرف الإنسان حقيقة دوره في الحياة فيسير على ضوءه.
يقول تعالى:{وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ* وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ*فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [10].
فالآية المباركة تشير بوضوح أن الانحراف عن المنهج الإلهي مدعاة لزوال النعم وحدوث الخوف والاضطرابات والقلق.
فالإنسان يحتاج لأمور ثلاثة لكي يرتقي وينهض، بإضافة العوامل المتقدمة التي ذكرناها سابقا:
الأمن أولا
الإسلام بمنظومته المتكاملة قد اقر للإنسان المسلم وغير المسلم حقوقا لابد أن يتمتع بها، واعتبرها خطوطا حمراء لا يصح مصادرتها أو إلغاؤها أو المساس بها.
ومن تلك الحقوق التي أقرها الإسلام والأنظمة الدولية، حق البقاء والحرية وحق الرأي وحق العبادة، ومنها أيضا حق الأمن والشعور بالأمان على مستوى الفرد والمجتمع، إلى غير ذلك من سائر الحقوق المقررة للإنسان.
فالأمن والشعور بالأمان هو حق لكل إنسان ذكرا أو أنثى مسلما وغير مسلم، وحق الأمن الشخصي أو الاجتماعي، وهذا الحق وأن كان مطلوب على مستوى الشخص والمجتمع، ومن حق كل أحد أن يشعر به، إلا أن له بعدا آخر لابد أن يلتف له، وهو أن الأمن والأمان عاملا مهما مساعدا في عملية الإنتاج والعطاء والتطوير، ولولا شعور الفرد والمجتمع به لما أمكن تحقيق ذلك.
فإذا عاش الإنسان حالة الخوف والقلق والاضطراب، فذلك يعني قلة الإنتاج والعطاء، بل وانعدامه.
الاطمئنان والاستقرار
كما أن الشعور بالأمن يدفع نحو الاطمئنان والاستقرار مما يسهم بشكل مباشر في عملية الإنتاج على المستويات الفكرية والثقافية والعلمية والعملية والصناعية وغيرها.
الإنتاج
قيمة الإنسان في مقدار إنتاجه وعطائه فردا كان أو مجتمعا، وبما يسهم في تحقيق النهوض الحضاري لمجتمعه وأمته، فقد ورد أن:"قدر أو قيمة كل امرء ما يحسن"[11].
وفي الختام أن عملية النهوض والرقي الحضاري للمجتمع تحتاج لتلك العوامل، كما أن الإنسان بحاجة ماسة للشعور بالأمن والاطمئنان لكي ينهض بنفسه وبمجتمعه لمواكبة التقدم الحضاري والسير نحو عملية البناء والتكامل في أبعاده المختلفة.
------------------

[1] الأعراف/96.
[2]  الجن/16.
[3]  يس/40.
[4]  فصلت/30.
[5] العلق/6-7.
[6]  فصلت/30.
[7]  العلامة المجلسي. بحار الأنوار:ج68، ص19.
[8]  العلامة المجلسي. بحار الأنوار،ج66، ص68.
[9] نهج البلاغة، خطبة صفات المتقين.
[10]  النحل112-114.
[11] المجلسي: بحار الأنوار:ج1، ص166.

-------------------

كلمة الجمعة بتاريخ 28 جمادى الثانية 1432هـ. الموافق11 يونيو 2010م.

من نفحات العصمة
كُنْ فِي
الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ. الإمام علي (ع)
صورة عشوائية
ذكرى استشهاد الزهراء ع